Index   Back Top Print

[ AR  - DE  - EN  - FR  - IT  - PL  - PT ]

رسالة قداسة البابا فرنسيس

لرهبنة القديس منصور دي بول 2017

 

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

أودّ، في الذكرى المئوية الرابعة للكاريزما الذي ولّد أسرتكم الرهبانية، أن أنضمّ إليكم عبر بعض كلمات الامتنان والتشجيع، وأن أُظهر قيمة القدّيس منصور دي بول وواقعيّته الحاليّة.

لقد عاش وهو في مسيرة دائمة، منفتحًا على البحث عن الله وعن ذاته. وإلى جانب هذا البحث الثابت، انضمّ عمل النعمة: كراع، عاش لقاءً باهرًا بيسوع الراعي الصالح، في شخص الفقراء. وحدث هذا بشكل خاص، عندما تأثّر بنظرة رجلٍ عطشان للرحمة، وبوجوه أسرة بحاجة لكلّ شيء. لقد شعر هناك بنظرة يسوع تهزّه، وتدعوه إلى العيش، لا لذاته، إنما لخدمته، دون أيّ تحفّظ، في الفقراء الذين سمّاهم القدّيس منصور "أسياد وأرباب" (مراسلة، مقابلات، وثائق، XI، 393). فتحوّلت حياته بهذه الطريقة إلى زمن خدمة حتى النفس الأخير. وقد حملت إليه كلمةٌ من الإنجيل معنى رسالته: "الربُّ أَرسَلَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء" (را. لو 4، 18).

اشتعل برغبته بأن يعرفَ الفقراءُ يسوعَ، فكرّس ذاته بشكل مكثّف للبشارة ولا سيِّما عبر الرسالة تجاه الشعب والعناية بشكل خاص بتنشئة الكهنة. وطبّق بكلّ صدق "طريقة بسيطة": التكلّم أوّلا وقبل كلّ شيء عبر الحياة، والتكلّم ثم بكلّ بساطة، بطريقة عاميّة ومباشرة. وقد جعل منه الروح أداةً لإثارة دفعًا من السخاء في الكنيسة. مستوحيًا من المسيحيين الأوائل الذين كانوا "قَلبًا واحِدًا ونَفْسًا واحِدة" (رسل 4، 32)، أسّس القدّيس منصور مراكز "المحبّة"، كيما يتمّ الاعتناء بالمحتاجين، عبر عيش الشَرِكة ووضع كلّ الخيرات الشخصيّة بتصرّف الجميع بفرح، موقنين بأن يسوع والفقراء هم الكنز الثمين، وأنّه -كما كان يحبّ أن يردّد- "عندما تذهب إلى الفقراء تلتقي بيسوع".

"حبّة الخردل" هذه، التي زُرعت في الـ 1617، قد أنبتت الجماعة الرسوليّة، وجمعيّة بنات المحبّة، وتشعّبت في معاهد وجمعيّات، وأصبحت شجرة كبيرة (را. مر 4، 31- 32): أسرتكم الرهبانيّة. لكن كلّ شيء قد انطلق من حبّة الخردل تلك: فالقديس منصور ما أراد يومًا أن يكون بطلًا أو شخصًا يجذب الآخرين، إنما "زرعًا صغيرًا". كان مقتنعًا أن الوداعة والتواضع والبساطة هي الشروط الأساسيّة لتجسيد شريعة الزرع الذي يهب الحياة إذ يموت (را. يو 12، 20- 26)، تلك الشريعة التي، وحدها، تجعل الحياة المسيحيّة خصبة، تلك الشريعة التي بها ننال حين نعطي، ونجد أنفسنا حين نبذلها، ونشعّ حين لا نظهر. وكان مقتنعًا أنّه ليس بإمكاننا القيام بكلّ هذه الأمور لوحدنا، إنما معًا، في الكنيسة، في شعب الله. يحلو لي أيضًا أن أذكّر برؤيته النبويّة حول قدرات المرأة غير العادية، التي تظهر في الذوق الروحي والشعور الإنساني لدى القدّيسة لويزا دي ماريلاك.

"كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متى 25، 40)، يقول الربّ. في قلب أسرة القدّيس منصور الرهبانية هناك البحث عن "الأكثر بؤسا وتخلّيا"، مع اليقين المتجذّر أننا لسنا "أهلًا لنقدّم لهم خدماتنا المتواضعة" (مراسلة، مقابلات، وثائق، XI، 392). أتمنّى لكم أن يكون هذا العام من الشكر للربّ والتعمّق بالكاريزما، فرصة كي ترووا عطشكم من النبع، وكي تنعشوا أنفسكم من مصدر الروح الأصلي. لا تنسوا أن ينابيع النعمة التي تستقون منها قد فاضت من قلوب ثابتة وراسخة في المحبّة، ومن "نماذج صادقة للمحبّة" (بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة الله محبة، 40). ولا يمكنكم أن تحملوا الانتعاش الفائض نفسه إلّا إذا وجّهتم نظركم إلى الصخرة التي منها فاض كلّ شيء. هذه الصخرة هي يسوع الفقير، الذي يريد أن نراه هو في الفقير وفي مَن لا صوت له. لأنّه فيهم. وأنتم، فيما تلتقون بأنفس هشّة، أعاقهم ماضيهم الصعب، فإنّكم مدعوّون بدوركم إلى أن تكونوا صخورًا: لا كي تبدوا قساة، لا يمكن خدشكم، ولا كي تظهروا أنكم لا تتأثّرون بالمعاناة، إنما كي تصبحوا نقطة ارتكاز مضمونة، ثابتين إزاء العواصف، مقاومين إزاء الشدائد، لأنّكم "تنظرون إِلى الصَّخرِ الَّذي نُحِتُّم مِنه وإِلى المَقلع الَّذي اقتُلِعتُم مِنه" (أش 51، 1). إنكم هكذا مدعوّون للوصول إلى ضواحي الحالة البشري، كي تحملوا، لا قدراتكم، إنما روح الربّ، "أب الفقراء". فهو ينشركم في العالم مثل الزرع الذي ينبت في أرض قاحلة، ومثل بلسم عزاء لمن هو مجروح، ومثل نار المحبّة كي تدفئ الكثير من القلوب التي أجلدها التخلّي، وأصلبها التهميش.

إنّنا كلّنا في الحقيقة مدعوّون لنستقي من الصخرة التي هي الربّ وأن نروي عطش العالم بالمحبّة التي تنبع منه. فالمحبّة هي محور الكنيسة، وسبب عملها، وروح رسالتها. "المحبةُ هي الركنُ الأساسي لعقيدةِ الكنيسةِ الاجتماعية. فكلُّ ما ورد في هذه العقيدةِ من مسؤولياتٍ والتزاماتٍ نجدُها مستقاةً من المحبة، التي هي – حسب تعليم يسوع – خلاصةُ الشريعةِ بأكملها" (بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة المحبة في الحق، 2). هذه هي الدرب التي يجب اتّباعها، كي تكون الكنيسة أكثر فأكثر أمًّا ومعلّمةَ محبّةٍ، تنمو وتفيض بالمحبّة المتبادلة وتجاه الجميع (را. 1 تس 3، 12): متناسقة بالشركة في الداخل، منفتحة ومضيافة في الخارج، لها شجاعة التخلّي عما قد يعينها كيما تتمثّل بربّها في كلّ شيء وتجدّد هكذا نفسها بالملء، وتجعل من ضعف المحبّة الظاهر سبب فخرها (را. 2 قور 12، 9). إنّنا نسمع في هذا الصدد، صدى كلمات المجمع التي ما زالت حاليّة بقوّة: "فالمسيح يسوع [...] لأجلنا، هو الغني، صار فقيراً: كذلك الكنيسة أيضاً، فإنها على كونها تفتقر إلى موارد بشريّة للقيام برسالتها، لم توجد لتطلب المجد الدنيوي، بل لتعلّم بمثالها أيضاً ما التواضع والكفر بالذات. فالمسيح قد أرسله الآب "ليبشر المساكين ويجير القلوب الكسيرة" [...] كذلك الكنيسة تغمر بحبّها جميع الذين يرهقهم الضعف البشريّ بل ترى في الفقراء والمتألّمين صورة مؤسّسها الفقير المتألم، وتعمل جاهدةً على تلطيف بؤسهم، وتريد أن تخدم المسيح فيهم" (المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي نور الأمم، 8).

لقد ترجم القديس منصور كلّ هذا بحياته ولذا فهو ما زال يعني الكثير اليوم لكلّ منّا ولنا ككنيسة. وشهادته تدعونا لنكون دومًا في مسيرة، مستعدّين لنسمح بأن تفاجئنا نظرة الله وكلمته. وهذا يتطلّب منّا صِغَرَ القلب، والاستعداد الكامل، والوداعة المنصاعة. وهذا يدفعنا إلى الشركة الأخويّة بيننا وإلى المهمّة الشجاعة في العالم. ويتطلّب منا أن نتحرّر من طرق الكلام المعقّدة، ومن الخطب ذاتية المرجعية، ومن التعلّق بالضمانات المادّية، التي تقدر أن تمنح راحة فورية ولكنها لا ترسّخ سلام الله وغالبّا ما تعيق الرسالة. ويحثّنا على العمل بإبداع المحبّة، وبصدق "قلب يرى" (را. بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة الله محبة، 31). فالمحبّة في الواقع، لا تكتفي بعادات الماضي الصالحة، لكنها تعرف كيف تحوّل الحاضر. وهذا أمر ضروري اليوم في تعقيد تغيير مجتمع مُعَولَم، حيث يمكن لبعض أشكال الصدقة –حتى وإن كانت بدافع نوايا سخيّة-، أن تغذّي أنواعًا من الاستغلال ومن عدم الشرعيّة، وألّا تأتي بفوائد حقيقيّة ودائمة. لذا فإن المحبّة المُخطّط لها، وتنظيم التقرّب، والاستثمار في التنشئة، هي تعاليم حاليّة وصلتنا من القدّيس منصور. لكن مثله يحثّنا، في الوقت عينه، على إفساح المجال والوقت للفقراء، والفقراء الجدد اليوم، وشديدي الفقر اليوم، وعلى أن نتبنّى أفكارهم ومصاعبهم، لأن المسيحيّة دون تواصل مع مَن يتألّم تصبح مسيحيّة غير متجسّدة، غير قادرة على لمس جسد المسيح. اللقاء بالفقراء، وتفضيل الفقراء، وإعطاء الصوت للفقراء، كيما لا تُسكِت حضورَهم ثقافة الزائل. أرجو كثيرًا أن يساعدنا الاحتفال باليوم العالمي للفقراء يوم 19 نوفمبر / تشرين الثاني في "الدعوة إلى اتّباع يسوع فقيرا"، فنصبح "أكثر فأكثر وبشكل أفضل علامة ملموسة لمحبّة المسيح تجاه الودعاء والأكثر حاجة"، ردًّا على "ثقافة الهدر والتبديد" (رسالة البابا فرنسيس بمناسبة اليوم العالمي للفقير "لا تكن محبّتنا بالكلام بل بالعمل"، 13 يونيو / حزيران 2017).

أسأل للكنيسة ولكم نعمة أن تجدوا الربّ يسوع في الأخ الجائع، والعطشان، والغريب، والمجرّد من ثيابه ومن كرامته، والمريض والمأسور، ولكن أيضًا المشكوك فيه، والجاهل، والعنيد في الخطيئة، والمنكوب، والمؤذي والغاضب والمزعج. وأن تجدوا في جراح يسوع المجيدة قوّةّ المحبّة، وفرح الزرع الذي يعطي الحياة إذ يموت، وخصوبة الصخرة المجروحة التي ينبع منها الماء، وفرح الخروج من ذواتكم والذهاب للعالم، دون الحنين إلى الماضي إنما بثقة راسخة بالله، خلّاقين إزاء تحدّيات اليوم وغدًا، لأن، كما يقول القدّيس منصور، "المحبّة هي خلّاقة إلى ما لا نهاية".    

من الفاتيكان، 27 سبتمبر / أيلول 2017

ذكرى القديس منصور دي بول

 

 

فرنسيس

 

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2017

 



© Copyright - Libreria Editrice Vaticana