Index   Back Top Print


رسالة عامة بابوية

كُنْ مُسَبَّحًا

Laudato si’

لقداسة البابا

فرنسيس

حول العناية بالبيت المشترك

 

 

 

1. “كُنْ مُسَبَّحًا، يا سيِّدي” (Laudato si’, mi’ Signore): هكذا اعتاد القدّيس فرنسيس الأسّيزي أن يرنّم. كان يذكّرنا، من خلال هذا النّشيد الجميل، بأن بيتنا المشترك هو أيضًا كأخت لنا، نتشارك معها الوجود، وكأم جميلة تحتضننا بين ذراعيها. “كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، لأختنا وأمِّنا الأرض، التي تَحمِلُنا وتَحكمُنا وتُنِتجُ ثمارًا متنوِّعةً معَ زهورٍ ملوَّنة وأعشاب”[1].

2. أختنا هذه تحتّج على الأذى الذي نلحقه بها، بسبب الاستعمال غير المسؤول وانتهاك الخيرات التي وضعها الله فيها. لقد نشأنا معتقدين أنها مُلْكِيِّةٌ لنا وبأننا المسيطرون عليها ومباحٌ لنا ننهبها. إن العنف القاطن في القلب الإنساني المجروح بالخطيئة يَظهر أيضًا من خلال أعراض المرض التي نلاحظها في التربة وفي المياه وفي الهواء وفي الكائنات الحيّة. لهذا، فمِنْ بين الفقراء الأكثرَ تعرضًّا للإهمال ولسوء المعاملة، توجد أرضنا المظلومة والمُخرَّبة، التي “تَئِنُّ مِن آلامِ المَخاض” (روم 8، 22). ننسى أننا نحن أيضًا تراب (را. تك 2، 7). جسدنا ذاته مكوّن من عناصر الأرض، وهواؤها هو الذي نتنسمه وماؤها هو الذي ينعشنا ويجدّدنا.

 لا شيء في هذا العالم يجعلنا غير مبالين

3. منذ أكثر مaن خمسين سنة، وبينما كان العالم يتأرجح على شفير أزمة نووية، كتب القديس البابا يوحنا الثالث والعشرون رسالة عامة، لم يشأ من خلالها رفض الحرب وحسب، بل وأراد تقديم مقترح للسّلام. وقد وجّه رسالته السلام في الأرض (Pacem in terris) إلى كلّ العالم الكاثوليكي، ولكنه أضاف وإلى جميع الأشخاص ذوي الإرادة الصّالحة. أما الآن، وأمام تدهور البيئة العالميّ، فإنّي أريد أن أتوجّه إلى كلّ شخص يسكن هذا الكوكب. في إرشادي الرسوليّ فرح الإنجيل (Evangelii gaudium) توجّهت إلى أعضاء الكنيسة، لتحريك عملية إصلاح إرساليّ لا تزال قيد التنفيذ. في هذه الرسالة العامة، أقترح بشكل خاص الدخول في حوار مع الجميع حول بيتنا المشترك.

4. بعد ثماني سنوات على صدور السلام في الأرض، في 1971، أشار الطوباوي البابا بولس السادس إلى المشكلةِ الإيكولوجية، مقدّمًا إياها كأزمة هي “نتيجة مأساوية” لممارسات الكائن البشري غير الخاضعة للرقابة: “إنه، من خلال استغلال مفرط للطبيعة، يُعرّض الأرضَ للتدمير ويُعرّض نفسَه لأن يكون بدورِه ضحيةَ هذا التدهور”[2]. تحدّث أيضًا أمام منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) عن إمكانيّة، “حدوث كارثة بيئيّة حقيقيّة…، كردّ فعل على ثقل وطأة الحضارة الصناعيّة”، لافتًا الانتباه إلى “الضّرورة الملحّة والحاجة إلى تغييرٍ جذريّ في سلوك الإنسانيّة”، لأن “الانجازات العلميِّة الأكثر روعة، والمنجزات التقنية الأكثر إدهاشًا، والنمو الاقتصاديّ الأكثر إبهارًا، إن لم تَكُن مُقرونةً بتقدّمٍ اجتماعيّ وأخلاقيّ أصيلٍ، فإنها، في نهاية المطاف، ستنقلب على الإنسان”[3].

5. قد اهتمَّ القدّيس يوحنا بولس الثاني بهذا الموضوع اهتمامًا متزايدًا. وقد لاحظ في رسالته العامة الأولى أن “ليس للبيئة الطبيعيّة في نظر الإنسان، على ما يبدو، من نعنى إلاّ أن يستغلّها لأغراضه الآنية ويستخدمها للاستهلاك المباشر”[4]، ومن ثم دعا إلى توبة بيئية عامة[5]. لكنه في الوقت عينه لفتَ الانتباهَ على أننا نلتزم قليلاً جداً “التقيّد بالشّروط الأدبيّة لصيانة البيئة البشريّة صيانة صحيحة”[6]. إن تدمير البيئة البشريّة هو أمر بغاية الخطورة، ليس لأن الله لم يوكِل العالمَ إلى الكائن البشري وحسب، بل لأن الحياة الإنسانية بذاتِها هي عطيّةٌ يجب حمايتِها من أشكالِ التَرَدّي المتعدّدة. إن كلّ طموح يرمي إلى رعاية وتطوير العالم يتطلبُّ تغييرًا عميقًا في “أنماط الحياة وأساليب الإنتاج والاستهلاك، والبنيات السلطوية القائمة التي تسوس المجتمعات المعاصرة”[7]. لدى التنمية البشرية الأصيلة طابع أخلاقي، يفترض الاحترام الكامل للشخص الإنساني، بل ويجب عليه الانتباه أيضًا إلى العالم الطبيعي “والنظر في طبيعة كل كائن وفي علاقاته المتبادلة، ضمن نظام منسّق هو الكوزموس [الكون]“[8]. لهذا، يجب على قدرة الكائن البشري على تغيير الواقع أن تنمو على أساس الهبة الأولى والأصلية للأشياء كما خرجت من يدي الله[9].

6. جَدَّدَ سَلَفِي بِنِدكتُس السادس عشر الدعوةَ “إلى القضاء على الأسبابِ الهيكليّةِ لاختلالات الاقتصاد العالمي وإلى إصلاح نماذج التقدّم التي تبدو غير قادرة على تأمين احترام البيئة”[10]. وذكَّر أنه لا يمكن تحليل العالم فقط عن طريق عزل أحد جوانبه، لأن «كتاب الطبيعة هو واحد ولا يتجزّأ» وهو يتضمن البيئة والحياة والجنس والعائلة والعلاقات الاجتماعية، وجوانب أخرى. ومن ثمَّ، “فإن تدهور الطبيعة هو أمر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة التي تَصيغ التعايش الإنساني”[11]. لقد اقترح علينا البابا بِنِدكتُس الاعتراف بأن البيئة الطبيعية مُثخَنَةٌ بجراح أحدثها سلوكنا غير المسؤول. كما أن البيئة الاجتماعية أيضًا لديها جراحها. لكنها كلّها في الواقع ناجمةٌ عن ذات الشرّ، أي عن الاعتقاد بأنه لا توجد حقائق ثابتة تقودُ حياتَنا، وبالتالي فما من حدودٍ للحرّيةِ الإنسانية. إننا ننسى أن “الإنسان ليس مجرّد حرّية تخلق ذاتها بذاتها. فالإنسان لا يَخْلُق نفسَه. إنه روح وإرادة، ولكنه أيضًا طبيعة”[12]. وقد دعانا، بقلقٍ أبويٍّ، إلى الاعتراف بأن الخليقة تتعرض للخطر “في كلّ مرّة يكون لنا فيها السلطة النهائية، وحين نعتبر أن كل الأشياء في مجملها هي وبكل بساطة ملكنا، ونستهلكها لأنفسنا وحسب. إن تبديد الخليقة يبدأ عندما لا نعترف بوجود أية سلطة أعلى منَّا، بل ولا نرى سوى أنفسنا”[13].

متّحدون في همٍّ واحد 

7. تجمع مساهمات الباباواتِ هذه خواطر الكثيرِ من العلماءِ والفلاسفةِ واللاهوتيّين والمنظّمات الاجتماعية الذين أغنَوا فكرَ الكنيسةِ في قضايا كهذه. لكن لا يمكننا تجاهل أن خارج الكنيسة الكاثوليكية أيضًا، هناك كنائس وجماعات مسيحيّة أخرى – وكذلك ديانات أخرى – قد طوّرت اهتمامًا عميقًا وفكرًا ثمينًا حول هذه المواضيع التي تشغلنا جميعًا. وللاستشهاد بمثال واحد جدير بالملاحظة، أريد أن أسترجع بِاخْتِصَارٍ مساهمةَ البطريرك المسكوني بارثولوميوس، والذي معه نتشارك رجاء الشركة الكنسية التامة.

8. قد أشار البطريرك بارثولوميوس بشكل خاص إلى ضرورة أن يتوب كل واحد عن طريقته الخاصة في الإساءة للكوكب، لأن “بقدر ما يُلحق كل واحد منا أضرارًا صغيرة بالبيئة”، بقدر ما نحن مدعوون للاعتراف “بإسهامنا، الصغير أو الكبير، في تشويه البيئة وتدميرها”[14]. في هذا السياق، قد حثنا تكرارًا وبحزم وتحفيز على الاعتراف بالخطايا ضد الخليقة: “فأن تدمِر الكائنات البشرية التنوع البيولوجي في خليقة الله؛ وأن تُلحق الكائنات البشرية الضرر بسلامة الأرض، مُساهِمَةً في التغيير المناخي، وفي تجريد الأرض من غاباتها الطبيعية أو تدمير المناطق الرطبة[i] أو تلويث الكائنات البشرية مياه الأرض وتربتها وهوائها وحياتها، بالمواد السامة: فأن هذه كلها هي خطايا”[15]. لأن “أيّ جريمة ضد الطبيعة هي جريمة ضد أنفسنا وهي خطيئة ضد الله”[16].

9. في الوقت عينه، لَفَتَ بارثولوميوس الانتباهَ إلى الجذور الأخلاقيةِ والروحيةِ للمشاكل البيئية، والتي تدعونا إلى البحث عن حلول لا توجد في التقنية وحسب، بل وأيضًا في تغيِّرٍ للكائن البشري، وإلّا فإننا نجابه الأعراضَ فقط. لقد اقترح علينا العبور من الاستهلاك إلى التضحية، ومن الجشع إلى السخاء، ومن الهدر إلى القدرة على المشاركة، في تزهُّدٍ “يعني تعلُّم العطاء وليس فقط مجرد التَفضّل. فالانتقال التدريجي مما أريده أنا إلى ما يحتاجه عالم الله، هو أسلوب في عيش المحبة. وهو تحرر من الخوف، والجشع، والتواكُل”[17]. أننا مدعوون أيضًا، نحن المسيحيين، إلى “قبول العالم كَسِرِّ شَرِكَةٍ، كنوع من المشاركة مع الله ومع القريب على نطاق عالمي. إنه اعتقادنا المتواضع بأن الإلهي والإنساني يلتقيان حتى في أدق تفاصيل ثوب الخليقة المتناغم الذي حَاكَه الله، وصولا إلى أصغر نقطة غبار من كوكبنا”[18].

القديس فرنسيس الأسّيزي

10. لا أريد متابعة هذه الرسالة العامة قبل التوقف عند مثال رائع ومُحفز. وقد اتخذتُ اسمَه كمرشِدٍ وكإلهامٍ، لحظة انتخابي أسقُفًا لروما. أعتقد أن القديس فرنسيس هو المثال النموذجي للاعتناء بما هو ضعيف وفي إيكولوجية شاملة، عاشهما بفرح وبأصالة. إنه شفيع جميع الذين يدرسون ويعملون في مجال الإيكولوجية، وهو محبوب أيضًا من الكثيرين من غير المسيحيين. لقد أظهر اهتمامًا خاصًا بخليقة الله وبالمهملين أكثر، وبالأكثر فقرًا. كان يحب وكان محبوبًا بسبب فرحه، وتفانيه السخي، وعالمية قلبه. كان متصوفًا ومتجولا يعيش ببساطة وفي انسجام رائع مع الله، ومع الآخرين، ومع الطبيعة، ومع ذاته. فيه نشعر إلى إي حد يصعب الفصل بين الاهتمام بالطبيعة، والعدالة تجاه الفقراء، والالتزام في المجتمع، والسلام الداخلي.

11. إن شهادَتُه تُبيّن لنا أيضًا أن الإيكولوجية الشاملة تَتَطلّب انفتاحًا على فئاتٍ تتجاوزُ لغةَ العلوم المجردة أو علم الأحياء، وتربطنا بما هو اساس البشرية. كما يحدث بالتمام عندما نقع في عشق شخص ما، ففي كل مرة كان ينظر القديس فرنسيس إلى الشمس أو القمر أو الحيوانات الصغيرة، كانت ردة فعله هي الإنشاد، مُشركا كل المخلوقات في هذا التسبيح. لقد كان يتواصل مع كل الخليقة، فكان يعظ حتى الزهور ويدعوها “إلى أن تُسبحَ الله وتحبه، كما ولو كانت تتمتع بالفهم”[19]. كانت ردة فعله أكثر من مجرد تقدير ذهني أو حساب اقتصادي، لأن كل مخلوق بالنسبة إليه كان أخًا، تربطه به أواصر المودة. لهذا كان يشعر أنه مدعو للاعتناء بجميع الموجودات. وقد روى أحد تلاميذه، القديس بونافينتورا، أنه “انطلاقًا من اعتبار أن لجميع الأشياء أصل مشترك، كان يشعر بأنه مغمور برأفة أكبر، وكان يدعو المخلوقات، مهما كانت صغيرة، أخًا وأختًا”[20]. لا يمكن ازدراء هذه القناعة وكأنها رومانسية غير عقلانية، لأنها تؤثر على الخيارات التي تحدد تصرفاتنا. فإن اقتربنا من الطبيعة ومن البيئة بدون هذا الانفتاح على الذهول والاندهاش، وإن لم نتكلم بعد لغة الأخوّة والجمال في علاقتنا مع العالم، فإن تصرفاتنا ستكون تصرفات المتسلط والمستهلك أو المستغل للموارد الطبيعية، غير القادر على وضع حدّ لمصالحه العاجلة. والعكس صحيح، فإن شعرنا بأننا متّحدون اتحادًا وثيقًا بكل شيء موجود، فإن الرصانة والاكتراث سيتدفقان في داخلنا بطريقة عفوية. إن فقر وتقشّف القديس فرنسيس لم يكونا زهدًا خارجيًّا بحتًا وإنما أمرًا أكثر جذرية: إنه التخلي عن جعل الواقع مجرد غرض للاستخدام والتسلط.

12. من جهة أخرى، يقترح علينا القديس فرنسيس، عبر أمانته للكتاب المقدس، الاعتراف بالطبيعة ككتاب رائع يكلمنا الله من خلاله، وينقل إلينا بعضًا من عظمته ومن صلاحه. “إِنَّ عَظَمَةَ المَخْلوقاتِ وجَمالَها يُؤَدِّيانِ بِالقِياسِ إِلى التَأَمل في خالِقِها” (حك 13، 5) “ولا يَزالُ ما لا يَظهَرُ مِن صِفاتِه، أَي قُدرَتُه الأَزَلِيَّةُ وأُلوهَيتُه، ظاهِرًا لِلبَصائِرِ في مَخلوقاتِه” (روم 1، 20). لهذا السبب كان يطلب ترك جزءٍ في بستانِ الخضراوات الخاص بالدير بدون زراعة كي تنمو فيه النباتات البريِّة، بحيث يمكن لمَنْ يُعجَبُ بها أن يرفع فكره إلى الله، مُبدع هذا الجمال كله[21]. إن العالم هو أكثر من مجرد مشكلة تحتاج لحلٍ، إنه سِرٌ مُفرِحٌ نتأمله في غبطة وتسبيح.

ندائي

13. إن التحدي العاجل لحماية بيتنا المشترك يشمل الحرصَ على توحيد العائلة البشرية بأسرها في البحث عن تنمية مستدامة وشاملة، لأننا نعرف أن الأمور يمكن تغيرها. فالخالق لا يهملنا، وهو لا يتراجع أبدًا للخلف في مشروع محبته، ولا يندم على أنه خلقنا. وما زال بإمكان البشرية أن تتعاون من أجل تعمير بيتنا المشترك. وهنا أريد التعبير عن الامتنان، وتشجيع وشكر جميع الذين، في مختلف مجالات النشاط البشري، يعملون على تأمين حماية البيت الذي نتشارك به. ويستحقون شكرًا خاصًا أولئك الذين يناضلون ببأس لمعالجة عواقب التدهور البيئي المأساوية في حياة الأشخاص الأكثر فقرًا في العالم. إن الشباب يُطَالبنا بتغيير. وهم يتساءلون كيف يمكن الادعاء ببناء مستقبل أفضل بدون التفكير في الأزمة البيئية وفي معاناة المستبعدين.

14. أوجّه دعوةً عاجلة لتجديد الحوار حول الأسلوب الذي نتبعه في بناء مستقبل الكوكب. إننا بحاجة إلى إجراء مقارنة تجمعنا كلنا، لأن التحدي البيئي الذي نواجهه، وجذوره البشرية، تعنينا وتمسنا جميعنا. لقد قطعت الحركة الإيكولوجية العالمية شوطًا طويلا وغنيًّا، وأثمرت مجموعات عديدة من المواطنين الذين ساهموا في إحياء الوعي. لكن للأسف، الكثير من الجهود المبذولة للبحث عن حلول ملموسة للأزمة البيئية غالبًا ما يصيبها الاحباطُ ليس فقط بسبب رفض أصحاب السلطة، وإنما أيضًا بسبب عدم اكتراث الآخرين. وتتأرجح المواقف التي تعيق سُبُل الحلول، حتى بين المؤمنين، بين نفي المشكلة وعدم الاكتراث لها أو الاستسلام الرخو أو الثقة العمياء بالحلول التقنية. إننا بحاجة مجددًا إلى تضامن عالمي. كما قال أساقفة جنوب أفريقيا: “إن مواهب ومشاركة الجميع هي ضرورية لإصلاح الأضرار الناجمة عن تعدي البشر على خليقة الله”[22]. فباستطاعتنا جميعًا التعاون كأدوات لله من أجل العناية بالخليقة، كلٌّ عبر ثقافته وخبرته الخاصة، وعبر مبادراته وقدراته الخاصة.

15. أتمنى أن تساعدنا هذه الرسالة العامة، مضافة إلى التعليم الاجتماعي للكنيسة، على الاعتراف بعظمة وضرورة وجمال التحدي الذي يواجهنا. بداية، سأمُر مرورًا سريعًا على مختلف جوانب الأزمة الإيكولوجية الحالية، من أجل الحصول على أفضل نتائج الأبحاث العلمية المتوفرة حتى اليوم، والسماح لها بأن تلمسنا في العمق ووضع أساس متين للمسار الأخلاقي والروحي الذي يستمر. وانطلاقًا من هذا العرض، سأتناول مجددًا بعض المسائل التي تنبع من التقليد اليهودي-المسيحي، بهدف إعطاء المزيد من التوافق لالتزامنا من أجل البيئة. ثم، سأحاول الولوج إلى جذور الوضع الحالي، كي أجني منها، ليس فقط الأعراض وإنما الأسباب العميقة. سيكون باستطاعتنا هكذا أن نقترح إيكولوجية تحتوي، في أبعادها المختلفة، المكان المحدد الذي يحتله الكائن البشري في هذا العالم وعلاقاته بالواقع الذي يحيط به. على ضوء هذا التأمل، أود القيام بخطوة للأمام في طرح بعض الخطوط العريضة للحوار وللعمل التي تُشرِك على حد السواء كل واحد منا والسياسة الدولية. في النهاية، ولأنني مقتنع بأن كل تغيير يحتاج إلى دوافع وإلى مسيرة تعليمية، سوف أقترح بعض خطوط للنضج الإنساني مُستلهَمَةً من كنز الخبرة الروحية المسيحية.

16. إن كل فصل، بالرغم من أن له موضوعه المحدد ومنهجيته الخاصة، سيتناول بدوره، من منظور جديد، مسائل مهمة، قد تم التعرض لها في الفصول السابقة. وهذا يتعلق خاصة ببعض المحاور التي تتخلَّل الرسالة بكاملها. على سبيل المثال: العلاقة الوثيقة بين الفقراء وهشاشة الأرض؛ الاقتناع بأن كل شيء في العالم هو مترابط ارتباطًا عميقًا؛ نقد النموذج الجديد وأشكال السلطة الناجمة عن التكنولوجية؛ الدعوة للبحث عن طرق أخرى لفهم الاقتصاد والتقدم؛ القيمة الخاصة لكل مخلوق؛ المعنى الإنساني للإيكولوجية؛ ضرورة القيام بمناظرات صادقة ونزيهة؛ المسؤولية الخطيرة التي تتحملها السياسة الدولية والمحلية؛ ثقافة الهدّر واقتراح أسلوب حياة جديدة. إنها موضوعات لا يتم أبدًا الانتهاء من دراستها أو الإعراض عنها، ولكنها، على العكس، تُدّرس وتُعمق باستمرار.

 

الفصل الأول

ما يحدث لبيتنا المشترك

17. إن التأملات اللاهوتيِّة والفلسفيِّة، حول وضع البشرية والعالم، يمكن أن تبدو كرسائل مكررة وخاوية إن لم تطرح نفسّها مجددًا انطلاقًا من مواجهة مع السياق الحالي، بما فيه من مستجدات لتاريخ البشرية. لهذا، وقبل التعرّف على كيف أن الإيمان يولّد حوافز ومتطلّبات جديدة في وجه العالم الذي ننتمي إليه، فإني أقترح التوقف بإيجاز للنظر لما يحدث لبيتنا المشترك.

18. إن السرعة المتزايدة للتغييرات المرتبطة بالبشرية وبالكوكب، تتحد اليوم بتكثيف ايقاعات الحياة والعمل فيما يُطلق عليه البعض، في اللغة الإسبانية (rapidación)، “التراكم التسارعي”[ii]. مع أن التغيّر هو جزء من ديناميات النُظم المركبة، فإن السرعة التي تفرضها التدخلات البشرية اليوم تتناقض مع البطء الطبيعي للتطور البيولوجي. يُضاف إلى هذا مشكلة أن أهداف هذا التغيّر المتسارع والدائم لا تصب بالضرورة لصالح الخير العام ولتنمية بشرية، مستدامة وشاملة. إن التغيّير هو أمر مُستَحَب، ولكنه يصبحُ مقلقًا عندما يَتَحَوَّلُ إلى تدهورٍ للعالم وتقهقر لنوعية حياة السواد الأعظم من البشرية.

19. بعد فترة من الثقة غير المنطقية في التقدّم وفي القدرات البشرية، فإن جزءًا من المجتمع بصدد الاقتراب من مستوى معرفة أكبر. ويُلاحظُ وعيٌّ متزايدٌ حول البيئة وحول العناية بالطبيعة، وينمو قلق صادق ومؤلم بسبب ما يحدث لكوكبنا. لنقم بجولة -ستكون بالتأكيد غير كاملة- بين تلك المسائل التي تسبب لنا اليوم قلقًا ليس بمقدورنا بعد التظاهر بإخفائه. الهدف بالتأكيد ليس جمع المعلومات أو إشباع فضولنا، ولكن الوصول إلى وعيٍّ مؤلم، وجرأةٍ على تحويل ما يحدث للعالم إلى ألمٍ شخصيٍّ، وبالتالي تحديد ما يمكن أن يقدّمه كل فرد.

1. التلوث والتغييرات المناخية

تلوث، نفايات وثقافة الهدر

20. يوجد أنواع من التلوث تصيب الأشخاص يوميًا. فالتعرضُ للملوثات المناخيّة يتسبب في تأثيرات متعددة للغاية على الصحة، ولا سيَّما على الأكثر فقرًا، ويتسبب في الملايين من حالات الوفاة المبكرة. فهم يمرضون، مثلا، بسبب تنشقهم مستويات عالية من الدخان الصادر عن الوقود المستخدم في الطبخ أو التدفئة. ويضاف إلى هذا، التلوث الذي يؤذي الجميع الناتج عن وسائل النقل، ودخان المصانع، وترسّب مواد تساهم في تحمض التربة والمياه، والأسمدة، والمبيدات الحشرية، ومبيدات الفطريات، ومبيدات الأعشاب والمواد الكيميائية الزراعية المُسَمِّمَة بشكل عام. إن التكنولوجيا، المرتبطة بالمالية، تدّعي بأنها الحل الوحيد للمشاكل، وهي في الواقع عاجزة عن رؤية “سِرّ” العلاقات المتعددة القائمة بين الأشياء، ولهذا فهي بالتالي، في بعض الأحيان، تجدُ حلًّا لمشكلة ما يتسبب بدوره بمشاكل أخرى.

21. يجب أيضًا الوضع في الحسبان التلوث الناتج عن النفايات، بما فيها تلك الخطيرة والموجودة في أوساط مختلفة. إننا ننتج سنويًّا مئات الملايين من أطنان النفايات، الكثير منها غير قابل للتحلل: نفايات منزلية وتجارية، وبقايا أنقاض الهدم، ونفايات طبية، ونفايات إلكترونية أو صناعية سامة للغاية ومشعة. إن الأرض، بيتنا المشترك، تبدو وكأنها تتحول، أكثر فأكثر، إلى مستودع هائل للقمامة. وفي أماكن كثيرة من الكوكب، يتذكر الشيوخُ بحنين، المناظرَ الطبيعية من الماضي، والتي تبدو اليوم مغمورة بالنفايات. فالنفايات الصناعية، كما هي المنتجات الكيماوية المستخدمة في المدن وفي الحقول، بإمكانها أن تحدث تراكمًا أحيائيًّا[iii] في بُنية سكان المناطق المتاخمة له، وهو ما يلاحظ حتى وبالرغم من انخفاض نسبة المادة السامة الموجودة في المكان. وفي كثير من الأحيان تؤخذ التدابير اللازمة فقط عند ظهور تأثيرات لا يمكن معالجتها على صحة الأشخاص.

22. إن هذه المشاكل هي ذات صلة وثيقة بثقافة الهدر، التي تصيب على حد السواء الأشخاص المنبوذين كما الأشياء التي تتحول سريعًا إلى نفايات. لنلاحظ، على سبيل المثال، أن القسم الأكبر من الأوراق المصنوعة يُهدر ولا يتم إعادة تدويره. كما يصعب علينا الإقرار بأن عمل النظام البيئي الطبيعي هو مثالي: فالنباتات تكوّن مواد غذائية تُطعم آكلي الأعشاب؛ وتلك بدورها تُغذي آكلي اللحوم، الذين ينتجون كميات هائلة من النفايات العضوية، والتي تتسبب في نمو جيل جديد من النباتات. وعلى العكس، فإن النظام الصناعي، في نهاية دورة الانتاج والاستهلاك، لم يطوِّر القدرةَ على استيعاب وإعادة استعمال النفايات والمخلفات. ولم ينجح بعد في تبنّي نموذج إنتاج “تَدْويرِيّ” يؤَمِّن مواردًا للجميع وللأجيال القادمة، ونموذجًا يقتضي وضع حدود قصوى لاستخدام الموارد غير المتجددة، وتبني الاعتدال في استهلاكها، وتحقيق الفعّالية القصوى في استخدامها، وإعادة استعمالها وتدويرها. إن مواجهة هذه المسائل قد تكون هي طريقة للتصدي لثقافة الهدر التي ستنتهي بالإضرار بالكوكب بكامله، لكننا نلاحظ أن التطورات بهذا الاتجاه ما زالت غير كافية.

المناخ كخيرٍ عام

23. المناخ هو خير عام، للجميع ومن أجل الجميع. إنه، على مستوى الكون، نظامٌ معقّد ومُتَّصِلٌ بالكثيرِ من الشروطِ الأساسيةِ للحياة البشرية. وهنالك إجماع علمي راسخ جدًا يشير إلى أننا نواجه احترارًا مقلقًا للنظام المناخي. وقد اصطحبَ هذا الاحترار، في العقود الأخيرة، ارتفاعٌ ثابت لمستوى مياه البحر، كما يصعب أيضًا فصله عن تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، برغم أنه لا يمكن تعيين سبب علميٍّ محدّدٍ لكل ظاهرة بعينها. إن البشرية مدعوة لأن تصبح على بَيِّنة من ضرورة إجراء تغيرات في نمط الحياة والإنتاج والاستهلاك، لمحاربة هذا الاحترار أو، على الأقل، لمواجهة الأسباب البشرية التي تنتجه أو تضاعفه. صحيح أن هناك أسبابًا أخرى (مثل البركانية[iv]، والتغيرات في مدار الأرض ومحورها، والدورة الشمسية)، ولكن العديد من الدراسات العلمية تشير إلى أن القسم الأكبر من الاحترار الكوّنِي، في العقود الأخيرة، يعود لزيادة غازات الاحتباس الحراري (ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز وغيرها من الغازات) التي تصدر في الغالب عن النشاط البشري. إن تكثُّفها في الغلاف الجوي هذا، يمنع حرارة أشعة الشمس المنعكسة من الأرض، من الانتشار في الفضاء. وقد عزز هذا بشكل خاص نموذج التنمية القائم على الاستخدام المكثف للوقود الأحفوري[v]، الموجود في قلب نظام الطاقة العالمي. وقد آثرَّ عامل آخر في هذا الصدد ألا وهو ممارسة التغيير في استخدام الأراضي بشكل متزايد، وبصورة أساسية إزالة الغابات لأغراض زراعية.

24. إن الاحترار، في المقابل، له بدوره تأثيره على دورة الكربون. إنه يخلق حلقة مفرغة تزيد من خطورة الوضع، وستؤثر على توفّر الموارد الأساسية كمياه الشرب والطاقة والإنتاج الزراعي في المناطق الحارة، وتؤدي إلى إزالة جزء من التنوع البيولوجي على كوكب الأرض. ويهدد ذوبان الجليد القطبي وجليد السهول المرتفعة، بتسرب خطير جدًّا لغاز الميثان، وقد يساهم تحلل المواد العضوية المجمّدة في انبعاثٍ متزايد لثاني أكسيد الكربون. كما تزيد خسارةُ الغابات المطيرة بدورها الأمورَ سوءًا، حيث أنها تساهمُ في تخفيفِ التغيير المناخي. ثم إن التلوث، الذي يولّدُ ثاني أكسيد الكربون، يزيدُ من حموضةِ المُحيطات ويعرّض للخطرِ السلسلةَ الغذائية البحرية. فإذا استمر التوجه الحالي، فإن عصرَنا هذا سوف يشهدُ تغييرات مناخية لم تُرَ من قبل، وتدميرًا غير مسبوق للنظم الإيكولوجية، مع عواقب خطيرة لجميعنا. فارتفاع مستوى البحر، على سبيل المثال، يمكنه أن يُنشئ أوضاعًا في غاية الخطورة، إن أخذنا بعين الاعتبار أن ربع سكان العالم يسكنون على ساحل البحر أو قريبًا جدًا منه، وأن أغلبية المدن العملاقة تقع في المناطق الساحلية.

25. تمثل التغييرات المناخية مشكلة عالمية ذات أبعاد بيئية واجتماعية واقتصادية وتوزيعية وسياسية خطيرة، وهي تشكّل إحدى أهم التحديات الحالية للبشرية. وستقع أسوأ التأثيرات، ربما في العقود القريبة القادمة، على الدول النامية. فالكثير من الفقراء يعيشون في مواقع تتأثر للغاية بالظواهر المتعلقة بالاحترار، حيث تعتمد معيشتهم بشكل أساسي على المحميات الطبيعية، والتي يُطلق عليها خدمات النظام الإيكولوجي، كالزراعة والصيد وموارد الغابات. وهم لا يملكون مواردًا اقتصادية أخرى تسمح لهم بالتأقلم مع التأثيرات المناخية أو مواجهة أوضاع مأساوية، كما يصعب عليهم الحصول على خدمات اجتماعية أو وقائية. على سبيل المثال، تسبب التغييراتُ المناخية هجرةَ حيوانات ونباتات، لا تستطيع التأقلم دائمًا، وهذا بدوره يلحقُ الضرر بالعوامل الإنتاجية المستخدمة من قبل الفقراء، والذين يجدون أنفسهم أيضًا مضطرين للهجرة، تتملكهم ريبة كبيرة بشأن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. إن أعداد المهاجرين، الفارين من البؤس الذي يفاقمه التدهور البيئي، هي في ارتفاع مأساوي، ولا يُعترف بهم في الاتفاقيات الدولية كلاجئين، ويحملون عبء حياتهم التي هجروها بدون أن تشملهم أية تشريعات وقائية. وللأسف هناك لامبالاة عامة أمام هذه المآسي التي لا تزال تقع في مناطق مختلفة من العالم. إن عدم وجود ردود فعل على مآسي أخوتنا وأخواتنا هذه هو علامة لفقدان حس المسؤولية تجاه أشقائنا، ذاك الحسّ الذي عليه يقوم أي مجتمع مدني.

26. يبدو أن الكثير من الذين يتحكّمون بأهمّ الموارد والقدرات الاقتصادية أو السياسية يضعون جُل تركّزهم، قبل كل شيء، على حجب المشاكل أو على إخفاء أعراضها، محاولين فقط الحدّ من بعض التأثيرات السلبية للتغييرات المناخية. لكن الكثير من الأعراض تشير إلى أن هذه التأثيرات قد تتفاقم إذا استمرينا بالأنماط الحالية للإنتاج والاستهلاك. لذلك فقد أصبح من المُلِحّ ومن الحتمي تنمية سياسات تُقَلِّل بشكل كبير، في السنين المقبلة، من انبعاث ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى جد ملوثة، على سبيل المثال: استبدال الوقود الأحفوري بتنمية مصادر طاقة متجددة. إن نسبة اللجوء إلى الطاقات النظيفة والمتجددة في العالم هي محدودة جدًا. ولا زالت هناك حاجة أيضًا لتنمية تقنيات الخلية الثانوية[vi]، تنميةً مناسبة. مع ذلك، فقد حقّقت بعض البلدان تطورات مهمة في هذا المجال وإن كانت لا تزال قليلة التأثير. هناك أيضًا بعض الاستثمارات في وسائل النقل والإنتاج، التي تعتمد على طاقة أقل وتتطلب كمّية أدنى من المواد الأولية، كما في أنماط البناء أو إعادة تأهيل المباني والتي تعتمد على تحسين فعالية الطاقة. لكن جميع هذه الممارسات الجيدة ما زالت غير معمّمة.

II. مسألة المياه

27. هناك مؤشرات أخرى للوضع الحالي تتعلق باستنفاذ الموارد الطبيعية. نعرف جيدًا استحالة استمرار مستوى استهلاك البلدان المتطورة الحالي، والقطاعات الأكثر ثراء في المجتمع، حيث بلغت عادة النفاق والهدر مستويات مفزعة. قد تمَّ بالفعل تخطت الحدود القصوى لاستغلال الكوكب، دون الوصول لحل لمشكلة الفقر.

28. إن مياه الشرب والمياه العذبة هي مسألة ذات أهمية قصوى، لأنه لا غنى عن الماء للحياة البشرية وللحفاظ على النظم الإيكولوجية البرية منها والمائية. فمصادر المياه العذبة تُمَوِّنُ قطاعات الصحة، والفلاحة والصناعة. وقد بقيت إمكانية التزويد بالمياه ثابتة نسبيًا لوقت طويل، أما الآن ففي الكثير من الأماكن يتخطى الطلب العرض الممكن، مع نتائج خطيرة على المدى القصير والبعيد. فمدن كبيرة، تعتمد على خزانات مياه مهمة، تعاني من فترات شح في الموارد، التي لا يتم تدبيرها دائما بطريقة مناسبة وبنزاهة، لا سيما في الأوقات الحرجة. هناك افتقار للمياه العامة خاصة في إفريقيا، حيث لا تستطيعُ قطاعات كبيرة من السكان، الوصولَ إلى مياه شرب متاحة، أو تعاني من جفاف يجعل من الصعب إنتاج الطعام. وفي بعض المناطق تتوافر المياه بوفرة، بينما تعاني مناطق أخرى من شح خطير.

29. إن مشكلة نوعية المياه المتوفرة للفقراء هي مشكلة بالغة الخطورة وهي تتسبب بموت الكثيرين كل يوم. فبين الفقراء ما أكثر حالات المرض المتعلقة بالمياه، بما فيها تلك الناتجة عن كائنات حيّة دقيقة وعن مواد كيميائية. الزحار (الديزنطاريا) والكوليرا، الناتجة عن المراحيض وخزانات المياه غير المناسبة، كل هذا يشكل عاملا هامًا في معاناة وموت الأطفال. المياه الجوفية، في العديد من الأماكن، هي مهددة بالتلوث الناتج عن بعض الأنشطة الاستخراجية، الزراعية منها والصناعية، وبالأكثر في البلدان التي تغيب فيها التشريعات والمراقبة الكافية. وهنا لا نفكر فقط بنفايات المصانع. فما زالت المنظفات والمواد الكيميائية التي يستخدمها السكان في أماكن كثيرة من العالم تصب في الأنهر والبحيرات والبحار.

30. بينما تتردى باستمرار نوعية المياه المتوفرة، يزداد الميل في بعض الأماكن إلى خصخصة هذا المورد النادر، وتحويله إلى بضاعة تتحكم بها قوانين السوق. في الواقع، إن الحصول على مياه الشرب السليمة هو حق جوهري وعالمي وأساس من حقوق الإنسان، لأنه يحدد بقاء الاشخاص، ولهذا فهو شرط لممارسة حقوق الأشخاص الأخرى. إن هذا العالم عليه دَيّن اجتماعي خطير تجاه الفقراء الذين لا تصلهم مياه الشرب، لأن هذا يعني حرمانهم من الحق بالحياة، ذاك الحق المتأصل في كرامتهم غير القابلة للتساوم. سيُسدد هذا الدَّين جزئيًا من خلال تقديم المزيد من المساهمات الاقتصادية لتوفير المياه النظيفة وشبكة الصرف الصحي في القرى الأكثر فقرًا. لكن يُلاحظُ إهدارٌ للمياه ليس فقط في البلدان المتطورة، وإنما أيضًا في البلدان النامية والتي تملك احتياطات كبيرة. يُظهر هذا أن جزءًا من مشكلة المياه هو مسألة تربوية وثقافية، بسبب غياب الوعي بخطورة مثل هذه التصرفات في سياق من التفاوتات الهائلة.

31. إن مزيدًا من شح المياه سيتسبب بارتفاع تكاليف المواد الغذائية والمنتجات المتنوعة التي تعتمد على الماء. ولقد نبهت بعض الدراسات من خطر التعرض لمعاناة شح في المياه، في غضون العقود القليلة القادمة، ما لم يتم مجابهة هذا الوضع بصورة عاجلة. فالتأثيرات البيئية بإمكانها أن تصيب المليارات من الأشخاص، ومن المتوقع، من ناحية أخرى، أن يتحول أمر التحكم بالمياه، من قِبَلِ شركات عالمية كبرى، إلى أحد المصادر الرئيسية للصراع في هذا القرن[23].

III. فقدان التنوع البيولوجي

32. تتعرضُ مواردُ الأرضِ أيضًا للنهب بسبب طرقٍ لفهم الاقتصاد والنشاط التجاري والإنتاج ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعائد الفوري. ففقدان الغابات والأخشاب، يعني في الوقت عينه، فقدان أصناف يمكنها أن تشكّل في المستقبل موارد مهمة للغاية، ليس للتغذية وحسب وإنما لعلاج الأمراض أيضًا وللعديد من الخدمات. فالأصناف المختلفة تحتوي على جينات قد تشكل موارد رئيسية لسد بعض الحاجات البشرية في المستقبل أو لحل بعض المشاكل البيئية.

33. لكن لا يكفي التفكير في الأصناف المختلفة فقط كـ”موارد” محتملة للاستغلال، متناسين أن لها قيمة في ذاتها. آلاف الأصناف من النبات والحيوانات تنقرض سنويًّا ولن نتمكن بعد من معرفتها، ولن يراها أبناؤنا، فقد انقرضت للأبد. والغالبية العظمى منها تفنى لأسباب تتعلق ببعض الأنشطة البشرية. فبسببنا آلاف الأصناف لن تمجد الله بوجودها، ولن تستطيع أن تنقل إلينا رسالتها الخاصة. هذا ليس من حقنا.

34. ربما قد يقلقنا خبر انقراض حيوان ثديي أو طير ما، ذلك لأن الأمر إلى حدٍ كبير مرئي. لكن كي تعمل النظم الإيكولوجية بطريقة جيدة، نحن بحاجة أيضًا للفطريات والطحالب والديدان والحشرات الصغيرة والزواحف والأنواع التي لا تحصى من الكائنات الحية الدقيقة. فبعض الأصناف النادرة، والتي عادة ما تمر دون أن تلفت الانتباه، تلعب دورًا حاسمًا وأساسيًا في تحقيق استقرار توازن مكان ما. صحيح أنه على الكائن البشري أن يتدخّل عندما يدخل نظام جيولوجيّ ما في مرحلة خطيرة، ولكن مستوى التدخّل الإنساني اليوم في واقع معقّد كذاك الخاص بالطبيعة هو ضخم لدرجة أن الكوارث المستمرّة الناجمة عن الكائن البشري تقتضي تدخّله مجدّدًا. بحيث أن التدخّل البشريّ أصبح متواصلا أمام كلّ الأخطار التي تنجم عنه. وقد تم هكذا خلقُ حَلَقَةٍ مُفرغة، كثيرًا ما يزيد فيها تدخّل الكائن البشريّ، لحلّ مشكلة ما، من تفاقم الوضع. على سبيل المثال، الكثير من الطيور والحشرات التي تنقرض بسبب المبيدات السامّة، التي أوجدتها التكنولوجيا، هي نافعة للزراعة نفسها، ويجب معالجة انقراضها بتدخل تقني أخر قد يترك بدوره تأثيرات مضرة جديدة. إن الجهود التي يبذلها العلماء والتقنيون لمحاولة إيجاد حلول للمشاكل التي تسبب بها الكائن البشري تستحق الثناء والإعجاب. ولكن، عندما نتأمل بالعالم نلاحظ أن هذا المستوى من التدخل البشري، وهو غالبًا ما يكون في خدمة المالية والاستهلاكية، يُفقر الأرض التي نقطنها ويجعلها أقل جمالا، وأكثر محدودية ورمادية، في حين أن مستوى تقدم التقنية وعروض الاستهلاك، في الوقت عينه، يواصل تقدمه دون حدود. إننا بهذه الطريقة نخدع أنفسنا مستبدلين جمالا لا يمكن تكراره أو استرداده، بجمال خلقناه بأنفسنا.

35. عندما يتم تحليل النتائج البيئية لمبادرة اقتصادية ما، يُنظر عادة في تأثيراتها على التربة والمياه والهواء، ولكن هذا لا يتضمّن دائمًا دراسة متأنية للتأثيرات على التنوع البيولوجي، كما لو كان فقدان بعض الأصناف أو المجموعات الحيوانية أو النباتات هو أمرٌ قليل الأهمية. فكثيرا ما تستولي الطرقات، والزراعات الجديدة، والأسوار، وخزانات المياه وغيرها من الأبنية، على المساكن الطبيعية للحيوانات، وفي بعض الأحيان تفتِّتُها، بطريقة تجعل قطعان الحيوانات غير قادرة على الهجرة أو التنقل بحرية، حتى أن بعض الأصناف أصبحت معرضة لخطر الانقراض. توجد بعض الحلول البديلة التي تخفف على الأقل من وطأة تأثيرات هذه الأعمال، كإنشاء ممرات بيولوجية، إلا أن هذا الانتباه وهذا الفعل الوقائي يوجدان في بلدان قليلة. عندما يتم استغلال بعض الأصناف تجاريًّا، لا يتم دائمًا دراسة نمط نموها لتجنب نقصها المفرط وما ينتج عنه من خلل في النظام الإيكولوجي.

36. إن العناية بالنظم الإيكولوجية تتطلب نظرة تتخطى الفوري، لأنه عندما نبحث فقط عن ربح اقتصادي سريع وسهل، لا يكترث أحد حقًا بالمحافظة عليها. لكنَّ كُلفة الأضرار التي يسببها الاهمال الأناني هي أكبر بكثير من الربح الاقتصادي الذي يمكن الحصول عليه. في حال فقدان بعض الأصناف أو الإضرار الكبير بها، فنحن نتكلم عن قيَّمٍ تتجاوز أي حساب. لهذا، سنكون ربما شهودًا صامتين على تفاوتات خطيرة، عند الزعم بالحصول على أرباح هامة، وجعل باقي البشرية، الحاضرة والمستقبلية، تدفع الثمن الباهظ للتدهور البيئي.

37. قد حققت بعض البلدان تقدمًا في المحافظة على أماكن ومناطق محددة –على البَرِّ وفي المحيطات– حيث يُمنع أي تدخل بشري قد يغيِّر هيئتها أو يُفسد بنيتها الأصلية. يشدّد الأخصائيون، في مجال الاهتمام بالتنوع البيولوجي، على ضرورة إيلاء اهتمام خاص بالمناطق الأكثر غنى من حيث تنوع الأصناف، والأنواع المُستوطِنة، النادرة أو غير المتمتعة بمستوى حماية فعال. فهناك أماكن تتطلب رعاية خاصة بسبب اعتبارها الكبير بالنسبة للنظام الإيكولوجي العالمي، أو تشكّل احتياطيات هامة من المياه ومن ثمَّ تؤمن أشكالا أخرى من الحياة.

38. نذكر، على سبيل المثال، رئات الأرض الغنية بالتنوع البيولوجي، وهي الأمازون وحوض نهر الكونغو، أو طبقات المياه الجوفية الكبيرة والأنهار الجليدية. من الجيد مراعاة أهمية هذه الأماكن بالنسبة للكوكب بأسره ولمستقبل البشرية. فالنظم الإيكولوجية للغابات الإستوائية لديها تنوع بيولوجي معقد جدًا، ومن المستحيل تقريبًا معرفته بالكامل، ولكن عندما يتم حرق هذه الغابات أو قطعها تمامًا بهدف زيادة المساحات الزراعية، فإن أصناف لا تعد ولا تحصى تنقرض في غضون سنين قليلة، وتتحول تلك المناطق إلى صحارٍ جافة. من دون شك، ثمة توازن دقيق يفرض نفسه عند التكلم عن هذه الأماكن، لأنه كذلك لا يمكن تجاهل المصالح الاقتصادية الدولية الهائلة التي، بذريعة رعاية هذه الأماكن، قد تعرض للخطر سيادة الأوطان. في الواقع، توجد “اقتراحات لتدويل الأمازون، تخدم فقط المصالح الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسيات”[24]. إن التزام بعض المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، في توعية الشعوب والتعاون الجدي فيما بينها هو أمر جدير بالثناء، وهي تلجأ أيضًا لوسائل الضغط الشرعية، كي تقوم كل حكومة بإتمام واجبها الخاص، غير القابل للتفويض، في المحافظة على البيئة وعلى الموارد الطبيعية لدولتها، دون أن تبيع نفسها لمصالح ملتبسة، محلية كانت أم دولية.

39. فحتى استبدال النباتات البريِّة، بمساحات غابات حراجيِّة -والتي هي في العموم زراعات أحاديِّة- غالبا ما يتم دون دراسة ملائمة. بإمكان هذا في الواقع أن يلحق الضرر بالتنوع البيولوجي غير المتوفر في الأنواع الجديدة التي يتم زرعها. المناطق الرطبة أيضًا، والتي يتم تحويلها إلى أراض زراعية، تفقد التنوع البيولوجي الهائل الذي كانت تحتضنه. ففي بعض المناطق الساحلية مقلقٌ هو اختفاء النظم الإيكولوجية القائمة على أشجار القرم.

40. إن المحيطات لا تحتوي فقط على غالبية مياه الكوكب، وإنما أيضًا على الجزء الأكبر من التنوّع الواسع للكائنات الحية، والتي في معظمها ما زالت مجهولة ومهددة لأسباب مختلفة. من ناحية أخرى، فالحياة في الأنهر، والبحيرات، والبحار والمحيطات، والتي تُغذّي قسمًا كبيرًا من سكان الأرض، تتضرر بسبب الاستخراج غير المضبوط في الموارد السمكية، والذي يولّد اضمحلالا خطيرًا لبعض الأصناف. ولا يزال مستمرًا تطوير أساليب صيد انتقائية تتسبب في هدر قسم كبير من الأصناف التي يتمَّ الحصول عليها. إن بعض الكائنات البحرية، والتي لا نعيرها اهتمامًا، هي مهددة بشكل خاص، مثل أشكال معينة من العوالق التي تشكل عنصرًا هامًا جدًا في السلسلة الغذائية البحرية، والتي تعتمد عليها، في نهاية المطاف، أصناف تُستخدم لتغذية البشر.

41. عندما نغوص في البحار الاستوائية وشبه الاستوائية، نرى الشعاب المرجانية، التي تحاكي الغابات البرية الكبيرة، لأنها تستضيف تقريبًا مليون صنفٍ من الأسماك وسرطان البحر والرخويات والإسفنج والطحالب، وغيرها. الكثير من الشعاب المرجانية في العالم هي اليوم عقيمة وفي تقهقر مستمر: “مَنْ الذي حوَّل العالم البحري الرائع إلى مقابر تحت مائية مجردة من الحياة واللون؟”[25]. إن هذه الظاهرة تعود في أغلبها إلى التلوث الذي يصل للبحر كنتيجة لإزالة الغابات، وللزراعات الأحادية، وللنفايات الصناعية، ولأساليب الصيد المدمرة، بالأخص التي تستخدم السيانيد والديناميت. وقد تفاقمت بسبب ارتفاع درجة حرارة المحيطات. كل هذا يساعدنا على فهم كيف أن أي عمل يمس الطبيعة يمكن أن يكون له عواقب قد لا نلاحظها للوهلة الأولى، وأن بعض أشكال الاستغلال للموارد يتم على حساب تدهور سيصل، في نهاية المطاف، الى عمق أعماق المحيطات.

42. من الضروري الاستثمار أكثر بكثير في مجال الأبحاث، من أجل فَهمٍ أفضل لسلوك النظم الإيكولوجية ولتحليل مختلف متغيرات التأثيرات الناتجة عن أي تبديل مهم في البيئة. لأن المخلوقات هي جميعًا مرتبطة بعضها ببعض، ويحق لكل منها أن تُقدّر قيمته بمودة وإعجاب، فنحن الكائنات المخلوقة جميعًا بحاجة بعضنا إلى بعض. وكل مكان لديه مسؤولية في رعاية هذه الأسرة، وعليه القيام بعملية جَرْدٍ دقيقٍ لجميع الأصناف التي يستضيفها، بهدف تنمية مشاريع واستراتيجيات حماية محافظًا، باهتمام خاص، على الأنواع المهددة بالانقراض.

VI. تدهور نوعية الحياة البشرية والتفكك الاجتماعي

43. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكائن البشري هو أيضًا خليقة من مخلوقات هذا العالم، وأن له الحق في العيش وفي أن يكون سعيدًا، وأن له كذلك كرامة خاصة، فإنه لا يمكننا إغفال النظر في تأثيرات التدهور البيئي، ونموذج التطور الحالي وثقافة الهدّر في حياة الأشخاص.

44. نرى اليوم مثلا، النمو المفرط وغير المنظم للعديد من المدن التي أصبحت غير صالحة للعيش، من وجهة النظر الصحيّة، ليس فقط بسبب التلوث الناجم عن الانبعاثات السامة، وإنما نتيجة لحالة الفوضى في المدن، ولمشاكل وسائل النقل، وللتلوث البصري والسمعي. إن العديد من المدن الكبيرة هي مُنشآت ضخمة غير فعالة، تستهلك المياه والطاقة بشكل مفرط. وهناك أحياء، بالرغم من أنها قد بُنيت حديثا، مزدحمة وغير منظمة، وتفتقر للمساحات الخضراء الكافية. ليس مناسبًا لسكان هذا الكوكب أن يعيشوا غارقين، على نحو متزايد، بالخرسانة والأسفلت، والزجاج والمعادن، ومحرومين من الاتصال الحسي بالطبيعة.

45. في بعض المناطق، الريفية منها والحضرية، قد أصبح من الصعب على المواطنين الوصول إلى مناطق ذات جمال استثنائي، بسبب خصخصة المتسعات، أو بسبب بناء مواقع سكنية “إيكولوجية” متاحة فقط لأفراد قليلين، حيث يتم منع الآخرين من الدخول تحاشيًّا لإزعاج الهدوء المصطنع. وغالبًا ما نجد مدينة جميلة وغنيِّة بالمساحات الخضراء المُعتنى بها جيدًا في بعض المناطق “الآمنة”، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للضواحي الأقل ظهورًا، حيث يعيش المهمشون من المجتمع.

46. ما بين المكوّنات الاجتماعيّة للتغيير العالميّ يوجد التأثيرات الخاصة ببعض الابتكارات الوظيفية التكنولوجية، والتهميش الاجتماعي، وعدم المساواة في توافر واستهلاك الطاقة والخدمات الأخرى، والتفكّك الاجتماعيّ، وازدياد العنف وبروز أشكال جديدة من العدوان الاجتماعيّ، وتهريب المخدّرات، وزيادة استهلاك المخدّرات بين الشّباب صغار السن، وفقدان الهوية. إنها علامات، من بين علامات أخرى، تبيّن كيف أن التقدم في القرنين الأخيرين لم يعنِ، في جميع جوانبه، تقدّمًا حقيقيًّا وشاملًا وتحسينًا في نوعيّة الحياة. بعضُ هذه العلامات هي في الوقت عينه أعراضٌ لتدهور اجتماعي حقيقيّ، ولتّمزّق صامت لأواصر الاندماج والشَرِكة الاجتماعية.

47. تُضاف إلى هذا، ديناميات وسائل الإعلامية وعالم التكنولوجيا الرقمية والتي، عندما تصبح طاغية الحضور، لا تعزز نمو القدرة على العيش بحكمة، والتفكير بعمق، والمحبة بسخاء. ففي هذا السياق، قد يتعرّض حكماء الماضي العِظام إلى رؤية حِكمتِهم تختنق وسط ضجيجِ المعلومات المُشَتِّتْ. إن هذا يتطلّب منّا جهدًا كي تُترجم هذه الوسائل في نموّ ثقافي جديد للبشرية وليس في تدهور لأثمن ما تملكه. إن الحكمة الحقيقيّة، ثمرة التّفكير والحوار واللّقاء السخيّ بين الأشخاص، لا يمكن إدراكها بمجرّد تجميع المعلومات التي تؤدي، في نهاية المطاف، إلى الإشباع والتغشية، وتصيب بنوع من التلوّث الذهنيّ. في الوقت عينه، تميل العلاقات الحقيقيّة مع الآخرين، مع كل التحدّيات الناجمة عنها، إلى أن تُستَبدَلَ بنوع من التواصل بوساطة الإنترنت. وهذا يسمح باختيار أو استبعاد العلاقات وفقًا لمزاجنا، وهكذا غالبًا ما يولد نوعٌ جديدٌ من العواطف المصطنعة، والمرتبطة بالأجهزة والشاشات أكثر منها بالأشخاص والطبيعة. إن الوسائل الحاليّة تسمحُ لنا بالتواصل فيما بيننا ومشاطرة المعرفة والعواطف، لكنّها، دون شكّ، تمنعنا أحيانا أيضًا، من التلمس المباشر لمعاناة الآخر وخوفه وفرحه وتعقيدات خبرته الشخصيّة. لهذا لا ينبغي أن نتفاجأ بأنه، مع زيادة العرض المتطفّل لهذه المنتجات، يتزايد أيضًا استياء عميق وكئيب في العلاقات بين الأشخاص أو عزلة ضارة.

V. تباين كوني

48. إن البيئة البشريّة والبيئة الطبيعيّة يتدهوران معًا، ولن يمكننا مواجهة التدهور البيئيّ بشكل مناسب إن لم نعر انتباهًا إلى الأسباب التي أدّت إلى التدهور البشريّ والاجتماعيّ. في الواقع، إن تراجع البيئة والمجتمع يصيب بشكل خاص من هم أكثر ضُعفًا في المسكونة: “تثبت كلّ من الخبرة المشتركة في الحياة العادية، والبحوث العلميّة، أن التأثيرات الأكثر خطورة لجميع التعديات البيئية يتحمّلها الأشخاص الأكثر فقرًا”[26]. على سبيل المثال: استنزاف الاحتياطات السمكيّة يصيب بالشلل خاصة الذين يعيشون من حرفة الصّيد ولا يملكون الوسائل لاستبدالها؛ كما أن تلوّث المياه يضرّ بالفقراء بشكل خاص لأنهم لا يستطيعون شراء المياه المعبّأة؛ كذلك ارتفاع مستوى مياه البحر يؤذي بشكل رئيسيّ سكّان المناطق الساحليّة الفقراء والذين ليس لديهم مكان ينتقلون إليه. تظهر نتائج الخلل الحالي أيضًا في الموت المبكّر للكثير من الفقراء؛ وفي الصّراعات الناتجة عن نقص الموارد؛ وفي الكثير من المشاكل الأخرى التي لا تحظى بحيِّز كاف على جداول أعمال العالم[27].

49. أودّ الإشارة إلى أنه، في الكثير من الأحيان، ليس هناك من وعي واضح بالمشاكل التي تصيب خاصة المهمّشين. إنهم يشكّلون غالبيّة سكّان المسكونة، مئات الملايين من البشر. واليوم يتم الإشارة لهم في النقاشات السياسيّة والاقتصاديّة الدوليّة، ولكن في أفضل الأحوال غالبًا ما يبدو أن مشاكلهم تُطرحُ كملحق، وكأنها مسألة تُضاف تقريبًا كفرض أو تُطرَح بطريقةٍ هامشية، هذا إن لم تُعتبر مجرّد “ضرر جانبي”. في الواقع، عند التنفيذ الملموس، غالبًا ما تحتل مشاكلهم الموضع الأخير. ويرجع ذلك جزئيّا إلى حقيقة أن العديد من المهنيّين وقادة الرأي والإعلام ومراكز القوى، يعيشون بعيدًا عنهم، في مناطق حضريّة معزولة، دون اتصال مباشر مع مشاكلهم. فهُم يعيشون ويفكّرون انطلاقًا من رَفاهِة تطوّرٍ ونوعيّةِ حياةٍ ليستا في متناول معظم سكّان العالم. هذا النقص في الاتصال الحسّي وفي اللقاء، الذي يغذّيه تفكّك مدننا في بعض الأحيان، يساعد على تخدير الضّمير وتجاهل بعض من الواقع عبر تحاليل جزئية. ويتعايش هذا أحيانًا مع خطاب “أخضر”. لكن اليوم لا يمكننا سوى الاعتراف بأن مقاربة إيكولوجيّة صحيحة تتحوّل دائمًا إلى مقاربة اجتماعية، تحتّم إدراجَ العدالة في النقاشات الخاصة بالبيئة، كي تُسمَع صرخة الأرض وصرخة الفقراء على حد السواء.

50. فبدلا من العمل على حلّ مشاكل الفقراء والتفكير في عالم مختلف، يكتفي البعض باقتراح تخفيض نسبة الولادات. ولا تنقص الضغوطات الدوليّة على البلدان النامية، والتي تربط بين المساعدات الاقتصادية وانتهاج سياسات “صحّة تناسليّة” معينة. ولكن “إذا صحّ أن التوزيع غير العادل للسكّان وللموارد المتوفرة يخلق عقبات أمام التنمية والاستخدام المستدام للبيئة، ينبغي الاعتراف بأن النموّ السكّانيّ يتوافق تمامًا مع تنمية شاملة وتضامنية”[28]. إن توجيه الاتهام إلى الزّيادة السكّانية، وليس إلى النزعة الاستهلاكية المبالغ فيها أو الانتقائية التي يمارسها البعض، هو نوع من الهروب من مواجهة المشاكل. فهكذا يتم الزّعم بإضفاءِ الشرعيّة على نموذج التوزيع الحالي، حيث تظنّ أقليّة أنه يحقّ لها الاستهلاك بنسبة يستحيل تعميمها، لأن الكوكب لا يستطيع حتى احتواء نفايات استهلاك كهذا. إضافة لهذا، نعلم أنه يتم هدر حوالي ثلث المواد الغذائية المُنتجة، و”الطعام الذي يرمى هو طعام مسروق من مائدة الفقراء”[29]. على أيّ حال، فمن الأكيد أنه ينبغي الاهتمام بالخلل في توزيع السكّان على اليابسة، سواء على الصّعيد الوطني أو على الصّعيد العالمي، لأن زيادة الاستهلاك قد تؤدّي إلى حالات إقليميّة معقّدة، بسبب مجموعة من المشاكل المتعلّقة بالتلوّث البيئيّ والنقل والتخلّص من النفايات وفقدان الموارد نوعية الحياة.

51. إن عدم المساواة لا يصيب فقط الأفراد، وإنما بلدان بأكملها، ويفرض التفكير في أخلاقيّات للعلاقات الدوليّة. هناك في الواقع “دَينٌ إيكولوجيّ” حقيقيّ، بالأخصّ بين الشّمال والجنوب، يرتبط باختلالات تجارية مقرونة بتداعيات إيكولوجية، وكذلك باستهلاكٍ غير متناسبٍ للمواردِ الطبيعيةِ مُمَارس تاريخيًّا من قبل بعض الدول. فقد ألحقت تصديرات بعض المواد الأوّلية، لتلبيّة احتياجات الأسواق الصّناعية في الشّمال، أضرارًا محلّيّة، مثل تلوّث مناجم الذّهب بالزئبق أو تلوّث مناجم النّحاس بثاني أكسيد الكبريت. ينبغي خاصة الأخذ بعين الاعتبار طريقة استخدام المساحة البيئيّة للكوكب بأسره، لتخزين النفايات الغازية التي تراكمت على مدى قرنين وولّدت وضعًا يُلحق الآن الضرر بجميع بلدان العالم. إن الاحترار الذي تسبب به الاستهلاك الهائل لبعض البلدان الغنية له تداعيات على المناطق الأكثر فقرا في الأرض، وبالأخص على أفريقيا، حيث الارتفاع في درجات الحرارة، المصحوبة بالجفاف، يترك آثارًا كارثية على المحاصيل. يضاف إلى هذا، الأضرار الناتجة عن تصدير النفايات الصلبة والسوائل السامة إلى البلدان النامية، وعن التلوث الناتج عن أنشطة تقوم بها بعض الشركات العاملة في البلدان الأقل نموًا، والتي لا يمكنها القيام بها في البلدان التي توفّر لها رؤوس الأموال: “نلاحظ أن الشركات التي تقوم بهذه الأعمال، هي متعددة الجنسيات في كثير من الأحيان، حيث تقوم بما لا يُسمح لها القيام به في البلدان المتقدمة أو ما يسمّى بالعالم الأول. فهي، بالعموم، عندما توقف أنشطتها وتنسحب، تترك خلفها أضرارًا بشرية وبيئية كبيرة، مثل البطالة وقُرى بلا حياة، ونضوب بعض المحميّات الطبيعية، وإزالة الغابات، وإفقار الزراعة وتربية الماشية المحلية، والفجوات، والتلال المخربة، والأنهار الملوثة وبعض الخدمات الاجتماعية التي لا يمكن دعهما بعد“[30].

52. لقد تحولت الديِّون الخارجية للبلدان الفقيرة إلى أداة سيطرة، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للديِّن الإيكولوجي. بطرق مختلفة، ما زالت الشعوب النامية، حيث توجد أهم محميات المحيط الحيوي، مستمرة في تغذية البلدان الغنية على حساب حاضرها ومستقبلها. أرض فقراء الجنوب هي غنية وقليلة التلوث، لكن محظور عليهم امتلاك الخيرات والموارد اللازمة لتلبية احتياجاتهم الحيوية من قِبَلِ نظام علاقات اقتصادية وملكية، منحرف هيكليًا. من الضروريّ أن تساهم البلدان المتقدّمة في سداد هذا الدين، بالحدّ بشكل كبير من استهلاك الطاقة غير المتجددة، وبتقديم موارد للبلدان الأكثر حاجة، لدعم سياسات وبرامج تنمية مستدامة. لدى المناطق والبلدان الأكثر فقرًا إمكانيات أقل لتَبْنّي نماذج جديدة لتقليل التأثير البيئيّ، لأنها لا تملك التأهيل لتطوير الاجراءات اللازمة كما ليس باستطاعتها تغطية تكاليفها. لهذا، يجب الحفاظ على وعي واضح بأن هناك مسؤوليات متفاوتة في مسألة تغيّر المناخ، وكما قال أساقفة الولايات المتّحدة، يجب التوجه “بشكل خاص إلى حاجة الفقراء، والضعفاء والواهنين، في مناقشات غالبًا ما تهيمن عليها مصالح الأقوياء”[31]. يجب علينا أن نعزز الوعي بأننا أسرة بشرية واحدة. لا توجد حدود وحواجز سياسيّة أو اجتماعيّة بإمكانها أن تسمح لنا بالانعزال، ولهذا السّبب نفسه ليس هنالك حتى مجال لعولمة اللامبالاة.

IV. وَهن ردود الفعل

53. تؤدّي هذه الأوضاع إلى أنينِ أختنا الأرض، والذي يلتقي بأنين المهمّشين في العالم، مع صرخةٍ تطالبنا بإتخاذ مسار مختلف. لم يسبق أن عاملنا بيتنا المشترك بمثل هذا السوء ولا ألحقنا به مثل هذا الأذى بمقدار ما فعلنا طيلة القرنين السابقين. بيد أننا مدعوّون لأن نضحي أداة الله الآب، كي يصبح الكوكب مثلما حلم به الله عندما خلقه، ويتجاوب مع مشروعه للسلام والجمال والملء. المشكلة هي أننا لا نملك بعد الثقافة اللازمة لمواجهة هذه الأزمة، وهناك حاجة إلى تكوِّين قيادات تشقّ دروبًا جديدة، وتسعى إلى تلبية حاجات الأجيال الحاضرة بمشاركة الجميع، دون المغامرة بالأجيال المستقبلية. ويغدو من الضرورة بمكان أيضًا وضع نظام معياريّ يتضمّن حدودًا لا يمكن تجاوزها ويوفر حماية للنظم الإيكولوجية، قبل أن تمحق الأشكال الجديدة من السلطة، الناجمة عن النموذج التقني-الاقتصادي، ليس فقط السياسة بل أيضا الحرية والعدالة.

54. يسترعي الانتباه ضُعف رد الفعل السياسي الدولي. فخضوع السّياسة للتكنولوجيا وللماليّة قد ظهر جليًّا في فشل القمّم العالميّة حول البيئة. فهناك الكثير من المصالح الخاصّة، ومن السّهل أن تتغلّب المصلحة الاقتصاديّة على الخير العام وأن تتلاعب بالمعلومات كي لا تتأثر مشاريعها. في هذا المنحى، تطالّب وثيقة أباريسيدا، بـ”ألّا تهيمن، في التدخّلات حول الموارد الطبيعية، مصالحُ المجموعات الاقتصادية، التي تدمّر بشكل غير عقلاني مصادر الحياة”[32]. فالعهد بين الاقتصاد والتقنية يستبعد في نهاية الأمر كلّ ما لا ينتمي إلى مصالحهما الفورية. حيث أنه يمكننا توقّع بعض التصريحات السطحيّة، أو بعض الأعمال الإنسانيّة المعزولة، أو حتى بعض الجهود لإظهار بعض الاهتمام بالبيئة، بينما في الحقيقة، كلّ محاولة من قِبَل المنظّمات الاجتماعيّة لتغيير الأمور، سوف تُعتَبَر كمصدر إزعاج ناجم عن أشخاص حالمين ورومانسيين أو كعائق يجب تفاديه.

55. باستطاعة بعض البلدان، رويدًا رويدًا، أن تُسجل تقدّمًا مهمًّا، وتطورًا لضوابط أكثر فعّالية، ومكافحةً جادةً للفساد. لقد نمى لدى الشعوب اهتمامٌ إيكولوجيٌّ، حتى وإن كان غير كافٍ لتغيير العادات الاستهلاكيّة المضرّة، التي تبدو أنها لا تتراجع، وإنما تتوسّع تطوَّر. هذا ما يحدث، فقط لإعطاء مثال بسيط، عند زيادة استخدام مكيّفات الهواء ومضاعفة قوّتها: الأسواق تحفّز الطلب، باحثة عن الفائدة الفورية. إذا قام شخص من الخارج بمراقبة المجتمع الأرضي، فإنه سيصاب بالذهول أمام مثل هذا السلوك الذي يبدو أحيانًا انتحاريًّا.

56. في غضون ذلك، تُوَاصل القوى الاقتصاديّة تبريرَ النّظام العالميّ الحاليّ، الذي تطغى فيه المضاربة والبحث عن الربح المالي، اللذان يميلان إلى غض النظر عن أي سياق محلّي وكذلك عن التأثيرات على الكرامة الإنسانية وعلى البيئة. وهكذا يظهر واضحًا أن التدهور البيئيّ والتدهور الإنسانيّ والأخلاقي هما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا فيما بينهما. وقد يدعي الكثيرون أنهم لا يدركون أن الأعمال التي يقومون بها غير أخلاقية، لأن التشتت المستمر يسلب منّا شجاعة الوعي بواقِعِ عالمٍ محدودٍ وزائل. لهذا فاليوم “كل ما هو هشّ، مثل البيئة، يبقى أعزل أمام مصالح السّوق المؤلَّهة، التي تحولّت إلى قانون مطلق”[33].

57. ومن المُتَوَقَّع، أمام استنزاف بعض الموارد، أن تنشأ تدريجيًّا حالة مؤيدة لشن حروبٍ جديدة، متخفيِّة تحت أقنعة المطالب النبيلة. والحرب تُلحق دائمًا أضرارًا جسيمة بالبيئة وبالثروة الثقافية للشعوب، وتصبح المخاطر مفزعة عندما نفكّر في الأسلحة النوويّة وتلك البيولوجيّة. في الواقع، “على الرغم من أن هناك اتفاقات دولية تحظّر الحروب الكيميائية والبكتريولوجية والبيولوجية، فالحقيقة هي أن البحث مستمّر في المختبرات لتطوير أسلحة هجومية جديدة قادرة على تغيير توازن الطبيعة”[34]. من الضروري أن تُعير السياسة انتباهًا أكبر لتفادي هذه الأوضاع ولمواجهة الأسباب التي قد تتسبّب في صراعات جديدة. لكن السلطة المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية هي التي تقاوم بشدّة هذا المجهود، وغالبًا ما تفتقد المشاريع السياسيّة لرؤى واسعة. لماذا نريد اليوم التمسّك بسُلطَةٍ سيرتبط ذكراها بعدم قدرتها على التدخل عندما كان الأمر ضروريًّا وملحًا؟

58. في بعض البلدان، هناك نماذج إيجابية لنجاحات في تحسين البيئة، كتطهير بعض الأنهر التي كانت قد تلوثت لعقود طويلة، أو استعادة غابات أصليّة، أو تجميل مناظر طبيعية بفضل أعمال تجديد بيئي، أو القيام بمشاريع بناء ذات قيمة جمالية كبيرة، أو أيضًا العمل على إنتاج طاقة غير مُلَوِّثَة، أو تحسين وسائل النقل العام. إن هذه الأعمال لا تجد حلولا للمشاكل العالمية، ولكنها تثبت أن الكائن البشري ما زال قادرًا على التدخّل بشكل إيجابي. فلكونه قد خُلق كي يُحبّ، فهو يُظهِر حتمًا، وسط محدوديّته، علاماتِ الكرم والتضامن والعناية.

59. في الوقت عينه، يمكننا ملاحظة نموّ إيكولوجية اصطناعيّة أو سطحيّة تجمع بين الإنكار وانعدام المسؤولية. فكما هي الحال غالبًا في أوقات الأزمات العميقة التي تتطلّب قرارات شجاعة، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن ما يحدث ليس مؤكّدًا. وإن نظرنا بشكل سطحي، باستثناء عدد قليل من علامات التلوّث والتدهور الواضحة، فإن الأمور لا تبدو خطيرة ظاهريًّا وباستطاعة الكوكب أن يستمرّ في وضعه الحاليّ لوقت مديد. هذا السلوك المراوغ يسمح لنا بالحفاظ على نمط الحياة والإنتاج والاستهلاك الذي اعتمدناه. إنها الطريقة التي يعتمدها الكائن البشري ليغذي جميع رذائل التدمير الذاتي: بأن يحاول ألا يراها، وبأن يجاهد كي لا يعترف بها، وبأن يؤجل اتخاذ القرارات الهامة، وبأن يتصرف وكأن شيئا لم يكن.

VII. اختلاف الآراء

60. وأخيرا، لنعترف بتطوّر وجهات نظر واتجاهات فكرية مختلفة حول الوضع الحالي والحلول الممكنة. في الحد الأقصى من جهة، نجد الذين يدعمون، بأي ثمن، أسطورة التقدّم ويؤكّدون أن المشاكل الإيكولوجية ستجد حلّا بفضل تطبيقات تقنية جديدة، دون أية اعتبارات أخلاقية أو تغييرات جوهرية. ومن الجهة الأخرى، يعتقد آخرون أن الجنس البشري، عبر أي من تدخّلاته، بإمكانه أن يشكّل خطرًا على النظام البيئي العالمي وأن يؤذيه؛ وبالتالي ينبغي الحدّ من وجوده على الكوكب ومنع أي تدخل من قِبَلِهِ. وبين هذين الطرفين، يحتاج التّفكير إلى تحديد سيناريوهات محتملة في المستقبل، لأنه لا يوجد سبيل واحد للحل. وهذا من شأنه أن يسمح بوجود مجموعة متنوّعة من المساهمات القادرة على الدّخول في حوار بهدف وضع حلول متكاملة.

61. ليس للكنيسة سبب لاقتراح رأي نهائيّ حول العديد من القضايا العمليِّة، وهي تعلم أنه عليها الاصغاء للجدال الصادق بين العلماء وتشجيعه، باحترام لتباين الآراء. لكن يكفي النظر إلى الواقع بجدّية لنرى أن هناك تردٍّ كبير في بيتِنا المشترك. ويدعونا الرّجاء إلى الاعتراف بأن هناك دائمًا مخرجًا، وأنه بإمكاننا تغيير اتجاهنا، وبإمكاننا القيام دائما بشيء ما لحلِّ المشاكل. ولكن، يبدو أننا نرى دلائل تشير إلى نقطة انهيار، بسبب السرعة الفائقة للتغييرات وللتدهور، والتي تظهر بشكل واضح في الكوارث الطبيعيّة الإقليميّة كما في الأزمات الاجتماعيّة أو حتى الماليّة، حيث انه لا يمكن تحليل أو تفسير مشاكل العالم بطريقة معزولة. هناك مناطق قد أصبحت في خطر بشكل خاص، وبغضّ النّظر عن أي تنبّؤ كارثيّ، فمن المؤكّد أنّه لا يمكن، من عدّة وجهات نظر، الاستمرار في النّظام الحاليّ للعالم لأنّنا قد توقّفنا عن التفكير في غايات العمل البشريّ: “إذا ما أَجلنا النظر في مناطق كوكبنا، أدركنا على الفور أن البشرية قد خيّبت توقّعات الله”[35].

 

الفصل الثاني

نجيل الخليقة

 62. ما السبب في ضمّ فصل كامل يتناول معتقدات الإيمان إلى هذه الوثيقة الموجّهة إلى جميع الأشخاص ذوي النوايا الصّالحة؟ أدرك أن البعض، في مجال السّياسة والفكر، يرفضون وبقوّة فكرة وجود خَالق، أو يعتبرونها غير ذات أهمية، بحيث أنهم يضعون في نطاق اللاعقلاني المساهمةَ الغنيّة التي يمكن أن تقدّمها الأديان لصالح إيكولوجيّة شاملة، ومن أجل نموّ كامل للجنس البشري. كما ويتمّ اعتبارها أحيانًا أخرى، كثقافة دونية ينبغي ببساطة تحملها. بيد أن العلم والدّين، اللّذين يقدّمان مقاربات مختلفة للواقع، باستطاعتهما الدّخول في حوار مكثّف ومثمر لكليهما.

I. النور الذي يقدمه الإيمان

63. إذا أخذنا بعين الاعتبار تعقيد الأزمة الإيكولوجية وتعدد أسبابها، علينا الاعتراف بأنه لا يمكن للحلول أن تأتي من طريقة أحادية في فهم وتغيير الواقع. فمن الضروري أيضًا اللجوء إلى غنى الشعوب الثقافي المتنوع، وإلى الفن والشعر، وإلى الحياة الداخلية وإلى الروحانية. إذا أردنا حقيقة بناء إيكولوجية تسمح لنا بإصلاح كلّ ما قد هدمنا، لا يمكن إهمال أيّ فرع من فروع العلم وأي شكل من أشكال الحكمة، ولا حتى الدينيّة منها مع لغتها الخاصة. علاوة على ذلك، فالكنيسة الكاثوليكية هي منفتحة على الحوار مع الفكر الفلسفيّ، وهذا يسمح لها بإنتاج صيغٍ مختلفة بين الإيمان والعقل. وهذا ما يمكن ملاحظته، فيما يتعلق بالأمور المرتبطة بالمسائل الاجتماعية، عبر تطوّر العقيدة الاجتماعيّة للكنيسة، المدّعوة لإثراء نفسها دائمًا انطلاقًا من التحدّيات الجديدة.

64. من جهة أخرى، حتى وإن كانت هذه الرسالة العامة منفتحة على الحوار مع الجميع للبحث معًا عن سُبُلِ تحرير، فإني أريد أن أبيِّن منذ البدء كيف أن الاقتناعات الإيمانية تُعطي للمسيحيين، وأيضًا إلى بعض المؤمنين الآخرين، دوافِع سامية للاعتناء بالطبيعة وبالإخوةِ والأخوات الأكثر ضُعفًا. فإن كان مجرد انتمائنا للعائلة البشريّة يدفع الأشخاص بحدّ ذاته إلى العناية بالبيئة التي ننتسب إليها، “فالمسيحيون يوقنون، بوجه خاص، أنّ واجباتهم ضمن الخلق، ومسؤولياتهم حيال الطبيعة والخالق هي جزء من إيمانهم”[36]. لذلك، فهو خير للبشرية وللعالم أن ندرك، نحن المؤمنين، بشكل أفضل، الالتزامات الإيكولوجية التي تنبع من قناعاتنا.

II. حكمة روايات الكتاب المقدس

65. دون أن نسترجع هنا كل لاهوت الخليقة، نتساءل عمّا تقوله لنا الروايات الكبرى في الكتاب المقدّس حول العلاقة بين الكائن البشري والعالم. في الرواية الأولى لعمل الخلق في سفر التكوين، يتضمّنُ تدبير الله خلقَ البشرية. فبعد أن خُلِق الرجل والمرأة، يقول: “ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا” (تك 1، 31). يعلّم الكتاب المقدس أن كلّ كائن بشري قد خُلِقَ بمحبّة، على صورة الله ومثاله (را. تك 1، 26). ويُظهرُ لنا هذا التأكيد الكرامةَ العظيمة لكلّ شخص إنساني، والذي هو “ليس مجرّد شيء، وإنما شخص. شخص قادر على معرفة نفسه، وعلى امتلاكها، وتقديم ذاته بمجانيّة، والدخول في شركة مع الآخرين”[37]. وقد ذكّر القديس يوحنا بولس الثاني كيف أن المحبّة الخاصّة التي يكنّها الله لكلّ كائن بشري “تهبه كرامة لامتناهية”[38]. إن الذين يلتزمون بالدّفاع عن كرامة الأشخاص، بإمكانهم أن يجدوا في الإيمان المسيحي البراهين الأعمق لالتزامهم هذا. كم هو رائع الادراك بأن حياة كلّ شخص لا تضيع في فوضى ميؤوس منها، أو في عالم تحكمه المصادفة أو الدورات المتكررة إلى ما لا نهاية! فبإمكان الخالق أن يقول لكلّ منا: “قَبلَ أَن أُصَوِّرَكَ في البَطنِ عَرَفتُكَ” (أر 1، 5). لقد تم تصوّرُنا في قلبِ الله، ولذلك “كلّ واحد منّا هو ثمرة فكر الله. كلّ واحد منا هو مرغوب، كلّ واحد هو محبوب، كلّ واحد هو ضروري”[39].

66. تحتوي روايات الخلق في سفر التكوين، بلغتها الرمزية والسرديّة، على تعاليم عميقة حول الوجود البشريّ وواقعه التاريخيّ. تشير هذه التعاليم إلى أن الوجود البشري يقوم على ثلاثة علاقات أساسية متّصلة ببعضها اتصالا وثيقا: العلاقة مع الله، ومع القريب ومع الأرض. وبحسب الكتاب المقدس، قد تمزقت هذه العلاقات الحيويّة الثلاث، ليس فقط خارجيًّا، إنما أيضًا بِداخِلنا. وهذا الانفصال هو الخطيئة. فقد دُمّر الانسجام بين الخالق والبشرية والخليقة جمعاء، بسبب ادّعائِنا بالحلولِ محلّ الله، ورفضِنا الاعتراف بأننا مخلوقات محدودة. لقد شوّه هذا الواقع أيضًا طبيعة التفويض بإخضاع الأرض (را. تك 1، 28) وحرثها وحراستها (را. تك 2، 15). فنتج عن ذلك أن العلاقة المتناغمة أصلًا بين الكائن البشري والطبيعة تبدّلت إلى صراع (را. تك 3، 17 – 19). لهذا، فمن المهمّ أن يُفهم الانسجام الذي كان يعيشه القديس فرنسيس الأسّيزي مع جميع المخلوقات كإصلاحٍ لهذا الانفصال. قال القديس بونافنتورا أن فرنسيس، عبر المصالحة الشاملة مع كل المخلوقات، قد عاد، بطريقة أو بأخرى، إلى حالة البراءة الأصلية[40]. واليوم، بعيدًا عن هذه الحالة، تظهر الخطيئة بكلّ قوّتها المدمّرة في الحروب وفي مختلف أشكال العنف والمعاملة السّيئة والتخلّي عمّن هم أكثر ضعفًا، وفي التعدّيات على الطبيعة.

67. نحن لسنا الله. والأرضُ كانت من قَبلِنا وقد أُعطِيَت لنا. هذا يسمح بالرّد على الاتهام الموجه للفكر اليهودي-المسيحي: فقد قيل، اعتمادًا على رِواية سفر التكوين التي تدعو إلى “إخضاع” الأرض (را. تك 1، 28)، إن هذا قد يشجّع الاستغلال الهمجيّ للطبيعة، مقدمًا صورة للكائن البشري كمُسيطِرِ ومُدمِّر. هذا ليس تفسيرا صحيحًا للكتاب المقدّس كما تفهمه الكنيسة. وإن صحّ أن المسيحيّين قد فسّروا الكتاب المقدس أحيانًا بطريقة غير دقيقة، إلا أنه علينا اليوم أن نرفض وبقوة، إمكانية تبرير هيمنة مطلقة للإنسان على باقي الخلائق، انطلاقًا من أننا خُلِقنا على صورة الله وأننا قد فوِّضْنا لإخضاع الأرض. فمن المهمّ قراءة نصوص الكتاب المقدس في سياقها، مع تفسير صحيح، والتذكّر بأنها تدعونا “لحرث وحراسة” الفردوس (را. تك 2، 15). في حين أن “الحراثة” تعني فلاحة التربة أو الاستصلاح أو العمل، “فالحراسة” تعني الحماية والعناية، والحِفظ، والسهر. وهذا يفترض وجود علاقة تبادل مسؤول بين الكائن البشري والطبيعة. فكلّ مجتمع يمكنه الحصول على الخير الذي يحتاجه من الأرض للبقاء على قيد الحياة، ولكن عليه أيضًا واجب حماية الأرض وضمان استمرارية خصوبتها للأجيال القادمة. لأن بالنهاية، “الأَرضُ لِلرَّبِّ” (را. مز 24، 1)، مِلك له “الأَرضَ وكلَّ ما فيها” (تث 10، 14). لهذا يرفض الله أيّ ادّعاء بتملّك مُطْلَق: “وأَمَّا الأَرض، فلا تُبَعْ بَتاتاً لأَنَّها لِيَ الأَرض، وإِنَّما أَنتُم نُزَلاءُ وضُيوفٌ عِندي” (أح 25، 23).

68. هذه المسؤولية تجاه أرض هي ملك لله، تستلزم من الكائن البشري، وقد وُهب الذكاء، أن يحترم قوانين الطبيعة والتوازن الدقيق بين كائنات هذا العالم، لأنه “هو أَمَرَ فخُلِقَت وأَقامَها إِلى الدَّهرِ وإِلى الأبد سَنَّ سُنَّةً لن تَزول” (مز 148، 5 ب – 6). وينتج عن هذا، واقع أن تشريع الكتاب المقدّس تعمل على سَّن قوانين مختلفة على الكائن البشري، ليس فقط في العلاقة مع الكائنات البشريّة الأخرى، وإنما أيضًا في العلاقة مع بقيّة الكائنات الحيّة: “وإِذا رأيتَ حِمارَ أَخيكَ أَو ثَورَه واقِعًا في الطَريق، فلا تَتَغافَلْ عنه، بل أَنْهِضْه معَه […] إِذا صادَفتَ عُشَّ طائرٍ في الطَّريق أَمامَكَ أَو في شَجَرَةٍ أَو على الارض، فيه فِراخٌ أَو بَيض، والأُمُّ حاضِنَة لِلفِراخِ أَوِ البَيض، فلا تأخُذِ الأُمَّ مع الفِراخ” (تث 22، 4. 6). في هذا المنظور، فإن راحة اليوم السابع ليست معطاة فقط للكائن البشري، وإنما أيضا “لِكَي يَستَريحَ ثَورُكَ وحِمارُكَ” (خر 23، 12). وبهذا ندرك أن الكتاب المقدّس لا يترك مجالًا لمركزيّة أنثروبية مستبدّة وغير مبالية ببقيّة الخلائق.

69. في حين أنه يمكننا استخدام الأشياء بطريقة مسؤولة، فنحن مدعوّون إلى الاعتراف بأن للكائنات الحيّة الأخرى قيمةً أمام الله “وبأنها تبارك الله وتمجّده بمجرّد وجودها”[41]، لأن “الرَّبّ يَفرَح بأَعْمالِه” (را. مز 104، 31). فالكائن البشري، بِحُكمِ كرامته الفريدة بالتحديد ولأنه وُهِبَ الذّكاء، هو مدعوٌّ إلى احترام المخلوقات وقوانينها الخاصة، لأن “الرَّبّ بِالحِكمَةِ أَسسًّ الأَرض وبالفِطنَةِ ثبتَ السَّمَوات” (مثل 3، 19). والكنيسة اليوم لا تقول فقط إنَّ المخلوقات الأخرى هي منصاعة تمامًا لخير الكائن البشري، كما لو أن لا قيمة لها بذاتها، وأن بإمكاننا التصرّف بها كيفما نشاء. هكذا علّم أساقفة المانيا، فيما يخص المخلوقات الأخرى، أنه “يمكننا الكلام عن أولويّة “أن يكون” على واقع “أن يكون مُفيدًا”“[42]. ويضعُ التعليم المسيحي (للكنيسة الكاثوليكية) موضعَ تساؤلٍ، بطريقة مباشرة جدًّا وبإصرار، المركزيةَ الأنثروبية المنحرفة: “كلّ خليقة تمتلك جودتها وكمالها الذاتيين […] الخلائق المختلفة، وقد أرادها الله في كيانها الخاص، تعكس، كل منها على طريقتها، شعاعا من حكمته وجودته اللامتناهيتين. ولهذا وجب على الإنسان أن يحترم لكل خليقة جودتها الخاصة، لكي يتجنب استعمال الأشياء استعمالا فوضويا”[43].

70. نرى في رواية قايين وهابيل أن الحسد دفع بقايين إلى ارتكاب الظلم الأعظم ضدَّ أخيه. وقد سبّب هذا الظلم بدوره انقطاعًا بالعلاقة بين قايين والله وبين قايين والأرض التي طُرِدَ منها. ويتلخص هذا المقطع في الحوار المأساوي بين الله وقايين. الله يسأل: “أين هابيل أخوك؟”. قايين ينكر معرفته ولكن الله يُصّر: “ماذا صَنَعتَ؟ إِنَّ صَوتَ دِماءِ أَخيكَ صارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرض! والآن فَمَلْعونٌ أَنتَ مِنَ الأَرضِ” (تك 4، 9 – 11). إن اهمال الالتزام بتنمية علاقة سليمة مع القريب والحفاظ عليها، وإهمال واجب العناية به وحمايته، يهدم العلاقة الداخليّة مع ذاتي، ومع الآخرين، ومع الله ومع الأرض. حينَ تُهمَل كلّ هذه العلاقات، ولا يعود البرُّ يسكن الأرض، يقول لنا الكتاب المقدس تمسي الحياة كلّها في خطر. هذا ما تعلّمنا إيّاه قصّة نوح، عندما يهدّد الله بإهلاك البشرية بسبب فشلها المستمرّ في العيش بحسب متطلّبات العدالة والسلام: “قد حانَ أَجَلُ كُلِّ بَشَرٍ أَمامي، فقَدِ امتَلأتِ الأَرضُ عُنفًا بِسَبَبِهم” (تك 6، 13). ففي هذه الروايات القديمة، والغنيّة برمزيّة عميقة، كانت ماثلة هذه القناعة الراهنة اليوم: بأن كل شيء مترابط، وأن العناية الأصيلة بحياتنا ذاتها وبعلاقتنا مع الطبيعة هي جزء لا يتجزأ من الأخوّة والعدالة والإخلاص تجاه الآخرين.

71. حتى وإن كان “شَرّ الإِنسانِ قد كَثُرَ على الأَرض” (تك 6، 5) وأن الرب “ندِمَ على أَنَّه صَنَعَ الإِنسانَ على الأَرض وتأَسَّفَ في قَلبِه” (تك 6، 6)، فقد قرّر الربّ فتح طريقٍ للخلاص، من خلال نوح الذي حافظ على صلاحه وبرّه. وأعطى البشرية هكذا إمكانيةَ بداية جديدة. فإن إنسانًا واحدًا صالحًا يكفي كي يكون هناك رجاء! يثبت التقليد الكتابي بوضوح أن إعادة التأهيل هذه تتطلّب إعادة اكتشاف واحترام الإيقاعات المسجّلة بيد الخالق في الطبيعة. يمكننا رؤية هذا مثلا في شريعة السبت. اليوم السابع، حيث استراح الله من كل أعماله. وأمر اللهُ إسرائيلَ بأن يحتفل بكل يوم سابع كيوم راحة، يوم سبت (را. تك 2، 2 – 3؛ خر 16، 23؛ 20، 10). من جهة أخرى، وضع أيضًا سنة سبتيّة لإسرائيل وأرضها، كل سبع سنوات (را. أح 25، 1 – 4)، تُعطى طوالها الراحة التامة للأرض، فلا تُزرع، ولا يتم حصاد إلا ما هو ضروري للبقاء على قيد الحياة وتأمين الضيافة (را. أح 25، 4 – 6). وأخيرًا، يُحتفل باليوبيل كل سبعة أسابيعٍ من السنين، ما يعادل تسعًا وأربعين سنة، وتكون سنة غفران عالمي و”إِعْتاقٍ في الأَرضِ لِجَميعِ أَهْلِها” (أح 25، 10). وقد سعى تطوّر هذا التشريع إلى تأمين التوازن والعدالة في علاقات الكائن البشري مع الآخرين ومع الأرض التي فيها يعيش ويعمل. ولكنه، كان في الوقت عينه، اعترافًا بواقع أن عطية الأرض، وجميع ثمارها، هي لكلّ الشعب. فكان على الذين يزرعون الأرض ويحرسونها أن يتشاركوا بثمارها، وبالأخصّ مع الفقراء والأرامل واليتامى والغرباء: “وإِذا حَصَدتُم حَصيدَ أَرضِكم، فلا تَذهَبْ في الحِصادِ إِلى أَطرافِ حَقلِكَ، ولُقاطَ حَصيدِكَ لا تَلقُطْ. ولا تَعُدْ إِلى فَضَلاتِ كَرمِكَ، ولُقاطَ كَرمِكَ لا تَلْقُطْ، بلِ اَترُكْ ذلِكَ لِلمِسْكينِ والنَّزيل، أَنا الرَّبُّ إِلهُكم” (أح 19، 9 – 10).

72. تدعو المزاميرُ باستمرار الكائن البشري إلى تسبيح الله الخالق: مَنْ هو “باسِط الأَرضِ على المِياه فإِنَّ للأبد ِرَحمَتَه” (مز 136، 6). ولكنها تدعو أيضًا بقيّة الخلائق للانضمام إلى هذا التسبيح: “سَبِّحيه أَيَتُها الشَّمسُ والقَمَر سَبِّحيه يا جَميعَ كَواكِبِ النُّور. سَبِّحيه يا سَماءَ السَّمَوات ويا أَيّتُها المِياهُ الَّتي فَوقَ السَّمَوات. فلتسَبِّحِ اْسمَ الرَّبِّ فإِنَّه هو أَمَرَ فخُلِقَت” (مز 148، 3 – 5). فنحن لم نوجد فقط بقوّة الله، وإنما نحيا أمام وجهه وبحضرته. ولهذا السّبب نحن نعبده.

73. تدعونا كُتب الأنبياء إلى أن نكتشف مجددًا في الأوقات الصعبة القوّةَ بواسطة التأمّل في الله القدير الذي خلق الكون. فقدرةُ الله اللامتناهية لا تحملنا على الهروب من حنانه الأبويّ، لأن المحبّة والقوّة تندمجَان فيه. في الواقع، تجمع كل روحانية سليمة، في ذات الوقت، بين قبول الحبّ الإلهي والتعبد للربّ بكلّ ثقة من أجل قدرته اللامتناهية. في الكتاب المقدس، الله الذي يحرّر ويخلّص هو نفسه الذي خلق الكون، وتَرتَبِطُ هاتان الطريقتان الإلهيّتان في العمل ارتباطًا وثيقًا لا انفصال فيه: “آهِ أَيُّها السَّيِّدُ الرَّبّ، ها إِنَّكَ صَنَعتَ السَّمَواتِ والأَرضَ بِقُوَّتِكَ العَظيمةِ وذِراعِكَ المَبْسوطة، ولَيسَ علَيكَ أَمرٌ عَسير […] وأَخرَجتَ شَعبَكَ إِسْرائيلَ مِن أَرضِ مِصرَ بِآياتٍ وخَوارِق” (ار 32، 17. 21). “الرَّبّ إِلهٌ سَرمَدِيّ خالقُ أَقاصي الأَرض لا يَتعَبُ ولا يُعْيي ولا يُسبَرُ فَهمُه. يُؤْتي التَّعِبَ قُوَّةً ولفاقِدِ القُدرَةِ يُكثِرُ الحَول”(أش 40، 28ب – 29).

74. لقد ولّدت خبرةُ العبودية في بابل أزمةً روحيّة قادت إلى تعمّقٍ في الإيمان بالله، وبالأخص بقدرته الخلّاقة، لحثّ الشّعب على تجديد الرّجاء في خضمّ وضعه المحزن. وبعد قرون، أثناء زمن آخر من المِحَن والاضطهاد، حين حاولت الامبراطوريّة الرومانيّة فرض هيمنة مطلقة، بَحَثَ المؤمنون عن العزاء والرجاء بمضاعفة إيمانهم بالله الكلّي القدرة، مرتّلين: “عَظيمَةٌ عَجيبَةٌ أَعْمالُكَ أَيُّها الرَّبُّ الإِلهُ القدير وعَدلٌ وحَقٌّ سُبُلُكَ!” (رؤ 15، 3). فإن كان الله قد خلق الكون من العدم، فباستطاعته التدخّل في هذا العالم وقهر أيّ شكل من أشكال الشّر. من ثمَّ، فالظلم يمكن قهّره.

75. لا يمكننا تأييد روحانيّة تنسى الله الكلّي القدرة والخالق. فبهذه الطريقة سننتهي إلى عبادة قدرات أخرى في العالم، أو إلى وضع أنفسنا مكان الله، لدرجة الادّعاء بالحقّ في سحقِ خليقته تحت الأقدام دون الاعتراف بحدود. إن الطّريقة الأفضل لإعادة الكائن البشري إلى مكانه الخاص، ولوضع حدّ لادِّعائه بالسّيطرة المطلقة على الأرض، هي بالتكلّم من جديد عن الله أبينا وخالقنا، والسيّد الأوحد للعالم، لأنه بخلاف ذلك سوف يميل الكائن البشري دائمًا إلى فرض قوانينه ومصالحه الخاصة على الواقع.

III. سر الكون

76. إن كلمة “خليقة”، في التقليد اليهودي-المسيحي، لا تعني فقط طبيعة، لأن لها علاقة بتدبير الله المُحبّ، حيث لكلّ مخلوق قيمة ومعنى. تُفهم الطبيعةُ عادةً كنظام يمكن تحليله وفهمه وإدارته، ولكن الخليقة يمكن فهمها فقط كعطية تخرج من يد أبي الجميع المفتوحة، كواقع تنيره المحبّة التي تدعونا إلى شَرِكة كونية.

77. “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَوات” (مز 33، 6). هكذا نرى أن الكون جاء نتيجة قرار، وليس من الفوضى أو عن طريق الصّدفة، ممّا يرفع من شأنه أكثر. فالكلمة الخلّاقة تعبّر عن اختيار حرّ. لم يأتِ العالم نتيجة سلطة مطلقة تعسفية، أو استعراض قوة أو رغبة في إثبات الذات. إن الخلق هو جزء من نظام المحبّة. فمحبّة الله هي العلّة الأساسيّة لكلّ الخليقة: “إِنَّكَ تُحِبّ جَميعَ الكائنات ولا تَمقُتُ شَيئًا مِمَّا صَنَعتَ فإِنَّكَ لَو أَبغَضتَ شَيئًا لَما كوّنتَه” (حك 11، 24). وبالتالي، فكلّ كائن هو موضوع عطف الآب، الذي يعطيه مكانًا في العالم. وحتى حياة الكائن الأصغر الزائلة هي موضوع محبّته، وهو يغمره بعطفه خلال لحظات حياته القليلة. قال القديس باسيليوس الكبير إن الخالق هو أيضًا “صلاح بلا حساب”[44]، وتكلّم دانت أليغييري عن “المحبّة التي تحرّك الأرض والنّجوم”[45]. ولهذا السبب يُمكننا أن نرتفع من خلال المخلوقات صوب “رحمته المفعمة بالمحبَّة”[46].

78. قد أزال الفكرُ اليهودي-المسيحي، في الوقت عينه، الطابعَ الأسطوريّ عن الطبيعة. ودون التوقّف أبدًا عن الاعجاب به لبهائها ولعظمتها، فهو لا يعزُو إليها طابعًا إلهيًّا. بهذه الطريقة يُبرز أكثر التزامَنا تجاهها. فالعودة إلى الطّبيعة لا يمكن أن تكون على حساب حرّية ومسؤوليّة الكائن البشري، والذي هو جزء من العالم وعليه واجب تنمية قدراته بهدف حمايته وتطوير إمكانياته. فلو اعترفنا بقيمة وبهشاشة الطّبيعة، وفي نفس الوقت، بالقدرات التي منحها الله لنا، فهذا سيسمح لنا اليوم بوضعِ حدّ للأسطورة العصريّة للتقدّم الماديّ غير المحدود. فعالم هشّ، مع كائن بشري قد أوكلَ الله إليه العناية به، هو أمر يحثّ ذكاءَنا لإدراك كيفيّة توجيه سلطتنا وتطويرها والحدّ منها.

79. باستطاعتنا أن نكتشف في هذا الكون، المؤَلف من أنظمةٍ مفتوحة وفي تواصل مع بعضها البعض، أشكالًا لا تُحصى من العلاقات والمشاركات. ويحملنا هذا إلى التفكير في مجمل هذا الواقع وانفتاحه على عظمة الله، والتي ينمو فيها ويتطور. فالإيمانُ يسمحُ لنا بتفسير المعنى والجمال السرّي لكلّ ما يحدث. باستطاعة الحريّة البشريّة أن تقدّم مساهمتها اللبيبة تجاه تطوّر إيجابي، كما بمقدورها أيضًا أن تضيف شرورًا جديدة، وأسباب معاناة جديدة وتراجع حقيقيّ. هذا ما يصنع تاريخ البشريّة المُثير والمأساويّ، والقادر على أن يتحوّل إلى ازدهارٍ للتحرر، والنموّ والخلاص والمحبّة، أو إلى سبيلٍ للانحطاط والإبادة المتبادلة. لذا، فإن تحرك الكنيسة لا يحاول فقط التذكير بواجب العناية بالطبيعة، إنما عليه بشكلٍ خاص، في الوقت عينه “حمايةَ الإنسانِ من تدميرِ ذاتِه”[47].

80. على الرغم من ذلك، فإن الله، الذي يريد أن يعمل معنا ويعتمد على تعاوننا، هو قادر على استخلاص بعض الخير من الشرّ الذي نقترفه، لأن “الروح القدس يملك خيالا لا حدود له، خاصًّا بالفكر الإلهي، والذي يعرف كيف يتوقع ويحل مشاكل القضايا البشريّة حتى تلك الأكثر تعقيدًا وعصيًا”[48]. فقد أراد الله الحدّ من نفسه، على نحو ما، عندما خلق عالمًا بحاجةٍ إلى تطوّر، حيث العديد من الأشياء، التي نعتبرها شرورًا أو أخطارًا أو أسباب معاناة، هي في الواقع جزء من مخاض الولادة الذي يدفعنا إلى التعاون مع الخالق[49]. إنه موجود في أعماق كل شيء من دون أن يؤثّر على استقلالية خليقته، مما يفتح المجال أيضًا إلى الاستقلالية المشروعة للوقائع الأرضيّة[50]. إن هذا الحضور الإلهي الذي يؤمّن استمرار كلّ كائن ونموّه، “هو مواصلة لعمل الخَلق”[51]. وقد ملأ روحُ الله الكونَ بإمكانيّات تسمح بأن يولد دائمَا، من رحم الأشياء نفسها، شيءٌ جديدٌ: “إن الطبيعة ليست إلا أساس معرفةٍ لفَنٍّ مُعَيَّن، هو عمليًّا الفنّ الإلهي، محفور في الأشياء، وبالتالي الذي به تسير الأمور نفسها صوب نهاية معيّنة. كما لو أن صانع السفن الحرفيّ، يُعطي الأخشابَ القدرةَ على التحرّكِ من تلقاءِ نفسِها لتأخذَ شكلَ السفينة”[52].

81. إن الكائن البشري، وإن افترض أيضًا عمليات تطوّرية، يملكُ فردانية لا يمكن تفسيرها بالكامل انطلاقًا من تطوّر النظم الأخرى المفتوحة. كل منّا يملك في ذاته هوية شخصية قادرة على الدخول في حوار مع الآخرين ومع الله نفسه. القدرة على التأمل، والتدليل، والابداع والتفسير والعمل الفني، وقدرات أخرى فريدة، تُظهرُ التفرّد الذي يتعدى الحيِّز المادي والبيولوجي. فالتفرّد النوعي، المنحدر من بظهور كائن شخصي ضمن الكون المادي، يفترض تدخّلا مباشرًا من الله، دعوة خاصة إلى الحياة وإلى العلاقة بين “أنت” وأنت آخر. وانطلاقًا من نصوص الكتاب المقدس، فإننا نعتبر الشخص كائنًا، لا يمكن إنقاصه أبدًا لفئة الأشياء.

82. سيكون من الخطأ أيضًا الاعتقاد بأنه يجب اعتبار بقية الكائنات الحيّة مجرّد أشياء خاضعة لحكم الكائن البشري التعسّفي. وحين يُنظَرُ إلى الطبيعة كوسيلة ربح ومنفعة فقط، فيترتب على ذلك أيضًا عواقب خطيرة على المجتمع. إن النظرة التي تعزّز تعسّف الأقوياء، قد ساهمت في خلق عدم مساواة هائل، وظلم وعنف ضد القسم الأكبر من البشرية، لأن ملكيّة الموارد تعود لأوّل من يصل إليها أو لمن له السلطة: والرابح يأخذ كل شيء. أما مِثال التناغم والعدالة والإخاء والسلام الذي يقترحه يسوع فهو نقيض هذا النموذج، وقد عبّر عنه بهذه الطريقة أمام السلطات في ذلك الزمن: “رُؤَساء الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. فلا يَكُنْ هذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيراً فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِماً” (متى 20، 25 – 26).

83. تجد مسيرة الكون غايتها في ملء الله، الذي قد بلغه يسوع القائم من بين الأموات: مِحوَر النّضوج العالميّ[53]. بهذه الطريقة نضيف سببًا آخر لرفضِ أي هيمنة استبداديّة وغير مسؤولة من قِبَلِ الكائن البشري على الخلائق الأخرى. فنحن لسنا الغاية الأخيرة للخلائق الأخرى. خلافا لذلك، فهي جميعًا تتحرّك معنا ومن خلالنا، نحو الهدف المشترك، والذي هو الله، في ملءٍ متعالٍ، حيث المسيحُ القائمُ من بين الأموات يعانق كلَّ شيء وينيره. لأن، في الحقيقة، الكائن البشري المتمتّع بالذكاءَ وبالمحبة، والمنجذب لملء المسيح، هو مدعوّ إلى قيادة كلّ الخلائق إلى خالقها.

IV. رسالة كل خليقة داخل تناغم كل الخليقة

84. إن الإصرار على القول بإن الكائن البشري هو صورة الله، لا يجب أن ينسينا أن لكلّ خليقة وظيفة وأنه لا وجود لخليقة عديمة الجدوى. فالعالم المادّي بأكمله هو لغة محبّة الله، وعطفه علينا الذي لا قياس له. التربة والمياه والجبال، هي مداعبة الله لنا. قصّة صداقة كل واحد منا مع الله تدور دائمًا في حيِّزٍ جغرافي يتحوّل إلى قيمة شخصيّة للغاية، وكلّ منّا يحتفظ في ذاكرته بأماكن يجلب تذكرها إحساسًا بالرضى. فالذي ترعرعَ وسط الجبال أو جلسَ في صِغَرِه قربَ الجدولِ ليشرب، أو كان يلهو في ساحة من الحيّ الذي يقيم فيه، فهو يشعر، حين يعود إلى هذه الأماكن، بأنه مدعو إلى استعادة هويّته.

85. لقد كتبَ الله كتابًا رائعًا، “أحرفه هي أعداد المخلوقات الغفيرة الموجودة في الكون”[54]. وقد عبّر عن هذا جيدًا أساقفة كندا بقولهم إنه لا توجد أيّة خليقة خارج تجلّي الله هذا: “إن الطبيعة هي مصدر تعجّب ورهبة دائمين، بدءاً من المناظر الطبيعية الخلابة وصولًا إلى أدق أشكال الحياة. إنها أيضًا تجلٍّ إلهي دائم”[55]. وقد قال أساقفة اليابان، من جهتهم، أمرًا مفيدًا جدًا: “إن الإصغاء لكلّ مخلوق يتغنّى بنشيد وجوده، هو العيش بفرح في محبّة الله وفي الرّجاء”[56]. يسمح لنا هذا التأمل في الخليقة بأن نكتشف، في كل شيء، بعض التعاليم التي يريد الله أن يوصلها إلينا، لأنه “بالنسبة للمؤمن، التأمل بالمخلوقات يعني أيضًا الإصغاء إلى رسالة ما، وسماع صوت مُبهَم وصامت”[57]. يمكننا القول بإنه، “إلى جانب تجليات الله الموجودة في الكتاب المقدّس، هناك تجلٍّ إلهيّ في بزوغ الشمس وحلول الليل”[58]. فإن أعارَ الكائنُ البشري انتباهَه إلى هذا التجلّي، فإنه يتعلم أن يتعرَّف على نفسه في علاقته بباقي المخلوقات: “أنا أُعبِّرُ عن ذاتي عندما أُعبِّرُ عن العالم؛ أنا أكتشفُ قدسيّتي الخاصّة حين أفك شيفرة قدسيّة العالم”[59].

86. إن الكون في مجمله، وبعلاقاته المتعدّدة، يُظهرُ بطريقة أفضل غنى الله الذي لا ينضب. وقد لَفَتَ القديس توما الأكويني الانتباهَ بحكمةٍ على أن التعدّد والتنوّع ينبعان “من إرادة الوكيل الأول” الذي شاء أن “ما ينقص مِن كلَّ شيء، ليُمثِّلَ الصلاح الإلهيّ، يتمّ تعويضه من قِبَلِ الكائنات الأخرى”[60]، لأن صلاحه “لا يمكن لشيء واحد فقط أن يمثّله بطريقة مناسبة”[61]. لهذا السبب، نحن بحاجة إلى فهم تنوّع الأشياء داخل تعدّد علاقاتها[62]. لذا، يمكننا أن نفهم أفضل أهمية ومعنى أي مخلوق، إذا ما تأملنا فيه ضمن مجمل مشروع الله. التعليم المسيحي (للكنيسة الكاثوليكية) يعلمه هكذا: “ترابط الخلائق، أراده الله. فالشمس والقمر، والأرزة والزهرة الصغيرة، والنسر والدوري: مشهد تنوعها وتباينها غير المحدودين يعني أنه ليس لأي خليقة اكتفاء ذاتي، وأنها لا تتواجد إلا مرتبطة بعضها ببعض، كي يكمّل كل منهما الآخر، في خدمة بعضها البعض”[63].

87. إننا حين نعي انعكاس الله في كلّ ما هو موجود، يختبر القلب عندئذٍ الرّغبةَ في عبادةِ الربّ من أجل جميع خلائقه، ومعها، كما يعبّر عنه نشيد القديس فرنسيس الأسّيزي الجميل جدًا:

“كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، مَعَ كلِّ خَلائِقِكَ،
خاصَّةً مَعَ السيِّدةِ أُختِنا الشمس التي هي النهارُ وبها نستنير،
وَهيَ جميلةٌ ومشعَّةٌ وعظيمةُ البهاء، وتُشيرُ إليكَ أيُّها العلي.
كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، لأخينا القمر والكواكبِ التي في السماء،
فَقَدْ كوَّنتها صَافيةً ثمينةً وجميلةً.
كُنْ مُسبَّحاً، يا سيِّدي، لأختنا الريح والهواءِ والسُحُب والسماءِ الصافيةِ
ولكلِّ الأزمنةِ التي بها تَحفظُ حياةَ المخلوقات.
كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، لأخينا الماء الكثيرِ الفائدة، الوضيع، الثمين، النقي.
كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، لأختِنا النار،
التي بها تُنيرُ الليلَ، فهي جميلةِ، وفَرِحة وقويِّة”[64].

88. لقد سلطَّ أساقفةُ البرازيل الضوء على أن الطبيعة بأسرها، بالإضافةِ إلى أنها تُخبر عن الله، هي مكان حضوره. فروحُه المُحيي يسكن كلَّ خليقة ويدعونا إلى إقامة علاقة معه[65]. إن اكتشاف هذا الحضور يحثّنا على تنمية “الفضائل الإيكولوجية”[66]. لكننا حين نقول هذا لا ننسى أن هناك أيضًا مسافة لامتناهية، وأن أشياء هذا العالم لا تملك ملء الله. وخلاف ذلك، فإننا قد لا نُحسنُ حتى إلى المخلوقات، لأننا لا نعترف بمكانها الخاص والصحيح، وقد ينتهي بنا الأمر إلى مطالبتها، بلا حقٍّ، بما ليس، في ضآلتها، بمقدورها أن تعطينا.

V. شَرِكة كونية

89. لا يمكن اعتبار خلائق هذا العالم كملكية لا مالك لها: “لأنَ كُلَ شيَء لَكَ أيُّها السّيدُ المُحِب لِلحَياة” (حك 11، 26). وهذا يحملنا على القناعة بأننا جميعًا، خلائق الكون، لكوننا خُلِقنا من قِبَل الآبِ نفسِه، فإننا متّحدون برُبطٍ غير مرئية وأننا نُكَوِّن نوعًا من أسرةٍ عالميّة، في شَرِكة عظيمة تدفعنا إلى احترامٍ مقدّسٍ ومُحِبٍّ ومتواضع. أريد أن أذَكِّرَ أنّ “الله قد وحّدنا وحدةً وثيقة مع العالم المُحيط بنا إلى حدّ أن تَصَحُّر الأرض هو داء يصيب كلّا منا، ويمكننا أن نتفجّع على انقراض نوع وكأنه بُتِر”[67].

90. إن هذا لا يعني وضع جميع الكائنات الحيّة على نفس المستوى، وانتزاع من الكائن البشري تلك القيمة الخاصة التي تُلزِمه في الوقت عينه بمسؤولية كبيرة. ولا يفترض أيضًا تأليه الأرض، الذي قد يحرمنا من التعاون معها ومن حماية هشاشتها. قد تؤدي هذه المفاهيم في نهاية الأمرِ إلى خلقِ اختلالاتٍ جديدة في محاولة للهروب من الواقع الذي يدعونا للتفكير[68]. إننا نلاحظ أحيانًا وجودَ هاجسٍ لإنكارِ أيّة أولوية للكائن البشري مع الاستمرار في نضالٍ لصالح أصناف أخرى، نضال لا نقوم به للدفاعِ عن الكرامة المتساوية بين جميع البشر. بالتأكيد، يجب أن يقلقنا أن تُعامل بقية الكائنات الحيّة بطريقة غير مسؤولة، ولكن ينبغي أن تغضبنا، بشكل خاص، التفاوتات الهائلة الموجودة فيما بيننا، لأننا ما زلنا نَرضى بأن يتعالى البعضُ بكرامتِهم على الآخرين. ولا نفطن بعد أن البعضَ يرزحُون تحت فِقرٍ مدقع، دون أي إمكانية حقيقية للخروج منه، بينما آخرون، لا يعرفون حتى ما يمكنهم أن يصنعوا بما يملكون، ويتباهون، بغرور، بتفوّقهم المزعوم، ويتركون وراءهم مستوى مرتفعًا من الهدر يستحيل تعميمه دون تدمير الأرض. وما زلنا نسمح في الواقع بأن يشعر البعضُ بأنهم في سُلم الإنسانية أعلى من الآخرين، كما لو أنهم وُلدوا مع المزيد من الحقوق.

91. لا يمكن لشعورٍ بوحدة حميمة مع بقيّة مخلوقاتِ الطّبيعة أن يكونَ أصيلًا، إن لم يكن القلب، في الوقت نفسه، مفعمًا بالعطفِ والشفقةِ والاهتمامِ بالبشر. ويبدو التناقض واضحًا لدى شخص يعملُ على مكافحة الاتّجار بالحيواناتِ المُعرّضَة لِخطرِ الانقراض، في حين أنه يبقى لا مباليًا أمام الاتّجار بالبشر، ولا يهتّم بالفقراء أو لديه العزم لتدمير كائن بشري آخر لأنه لا يروق له. إن هذا يعرّض للخطر معنى النضال من أجل حمايةِ البيئة. ليس من قبيل المصادفة أن يُضيف القدّيس فرنسيس إلى النّشيد الذي يسبّح فيه اللهَ من أجلِ خلائقه، هذه العبارة: ” كُنْ مُسَبَّحاً، يا سيِّدي، للّذين حُبًا بك يَغفُرون”. كلّ شيءٍ مُتصِل. لذا، ينبغي أن يترافق الاهتمامُ بالبيئة بمحبّةٍ صادقة للبشر وبالتزامٍ مستمّر في مواجهة مشاكل المجتمع.

92. من جهة أخرى، حين يكون القلب منفتحًا حقّا على شَرِكة كَونيّة، فلا شيءَ أو لا أحدٌ يستثنى من هذه الأخوّة. صحيح أيضًا، بالتالي، أنّ عدم الاكتراث أو القسوة تجاه كائنات هذا العالم الأخرى، ينتقلان دائمًا في نهاية الأمر، بشكل أو بأخر، إلى الطريقة التي بها نتعامل مع بقيّة البشر. فالقلب هو واحد، والبؤس نفسه الذي يحملنا إلى إساءةِ معاملةِ حيوان ما، سيظهرُ عاجلًا في العلاقةِ مع الأشخاص الاخرين. إنّ كلّ قسوة تجاه أيّة خليقة كانت “هي ضد كرامة الإنسان”[69]. فلا يمكننا اعتبار أنفسنا أشخاصًا مُحِبّينَ فعلًا، إن استبعدنا عن اهتمامنا قسمًا من الواقع: “إن السلام، والعدل وحماية الخلق، هي ثلاثة مواضيع مرتبطة ببعضها الى حد بعيد، ولا يمكن فصلها لمعالجة كلّ منها على حدة، تحت طائلة الوقوع مرّة أخرى في الاختزالية”[70]. إن كلّ شيء هو مترابط، وإننا جميعنا، نحن البشر، متّحدون كإخوة وأخوات في مسيرة حجّ رائعة، ومرتبطون بالمحبّة التي يكنّها الله لكلّ من خلائقه والتي تجمعنا فيما بيننا، بعطفٍ مُحِبّ، مع أختنا الشمس، وأخينا القمر، وأخينا النهر وأمنا الأرض.

VI. الغاية المشتركة للخيرات

93. إننا اليوم، مؤمنين وغير مؤمنين، متّفقون على حقيقة أنّ الأرض هي في الأساس إرث مشترك، يجب أن تعود خيراتُها على الجميع. إنها مسألةُ إخلاصٍ تجاهَ الخالقِ بالنسبة للمؤمنين، لأن الله قد خلق العالم للجميع. بالتالي، فعلى كلّ مقاربةٍ إيكولوجيّة أن تحتوي على منظور اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار الحقوق الجوهريّة لمن هم أقل حظًا. لهذا، فإن مبدأ خضوع الملكيّة الخاصة للتوجه العالمي للخيرات، ومن ثمَّ، الحق العالمي في استخدامها، هو “قاعدة من ذهب” للسلوك الاجتماعي، وهو “المبدأ الأول للنظام الأخلاقي والاجتماعي بأكمله”[71]. فالتقليدُ المسيحيُّ لم يَعتَبِر أبدًا الحقَّ بالملكيّة الخاصّة أمرًا مطلقًا أو غير قابل للتغيير، وقد سلّط الضوء على الدَورِ الاجتماعيّ لأيّ شكل من أشكال الملكيّة الخاصّة. وقد ذَكَّرَنا القدّيس يوحّنا بولس الثاني بشدة بهذه العقيدة قائلًا إن “الله قد وَهَبَ الأرضَ لجميعِ أبناءِ البشر لتُعيلَهم كلّهم، بدون تفضيل أو استثناء لأحد“[72]. إنها كلمات معبّرة وقويّة. ثم أوضح أن “أيّ نموذج من نماذج النموّ لا يحترم ولا يعزّز الحقوق الإنسانيّة، الفرديّة والاجتماعيّة، الاقتصاديّة والسياسيّة، بما فيها حقوق الأمم والشعوب، لا يمكن أن يكون حقيقة جديراً بالإنسان”[73]. وفسّر بكلّ وضوحٍ أن “الكنيسة تدافع عن الحقّ المشروع في الملكيّة الخاصّة، ولكنها تُعلّم، وبوضوح أيضًا، بأنه يَقعُ على كلّ ملكيّة خاصة رهن[vii] اجتماعي، وذلك كي تكون الخيرات في خدمة الغاية العامة التي أعطاها الله لها”[74]. وأكد بالتالي أنه “غير مسموح أن تُستَخدَم هذه العطيّة بطريقة لا يستفيد منها إلا البعض فقط، وذلك لأن هذا لا يتوافق وتدبير الله”[75]. إن هذا يضع في جدل جدّي العادات الظالمة لقسم من البشرية[76].

94. لدى الفقير والغنيّ الكرامة ذاتها، لأن “الرَّبّ صَنَعَ كِلَيهما” (مثل 22، 2)، “الصَّغير والكَبير هو صَنَعَهما” (حك 6، 7)، وهو “يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار” (متى 5، 45). وهذا له عواقب عملية، كتلك التي أعلن عنها أساقفة الباراغواي: “لكلّ مزارع الحقُّ الطبيعي في امتلاك قطعة معقولة من الأرض، حيث يمكنه إقامة بيته، والعمل من أجل إعالة اسرته وامتلاك أمن وجوده. يجب ضمان هذا الحقّ بحيث لا يكون تطبيقه وَهميًّا ولكن واقعيًّا. وهذا يعني أنه بالإضافة إلى الملكيّة، يجب أن يتمكّن المزارعون من الاعتماد على وسائل التعليم التقني، وقروض وتأمينات والوصول إلى الأسواق”[77].

95. البيئةُ هي مِلْكٌ عام، وإرثٌ للبشريّة بأسرِها وهي مسؤوليّة الجميع. فمَنْ يمتلك جزءًا منها فهو فقط لإدارته لصالح الجميع. فإن لم نفعل ذلك، فإننا نحمّلُ ضميرَنا ثقل التّنكّر لوجود الآخرين. ولهذا تساءل أساقفة نيوزيلندا عن معنى وصيّة «لا تقتل» عندما “يستهلكُ عشرون في المئة من سكّانِ العالم المواردَ على نحو يجعلهم يسرقون من الدولَ الفقيرة، والأجيالَ الآتية، ما تحتاجه للبقاء على قيد الحياة”[78].

VII. نظرة يسوع

96. يتبنى يسوع الإيمانَ الكتابي بالله الخالق ويسلّط الضوءَ على أمرٍ جوهري: أن الله هو آب (را. متى 11، 25). وقد كان يسوع، في حواراته مع تلاميذه، يدعوهم إلى الاعتراف بعلاقة الله الأبوية مع جميع الخلائق، ويذكّرهم، بعطف مؤثر، كيف أن كل واحدة منها هي ثمينة في عينيه: “أَما يُباعُ خَمسَةُ عَصافيرَ بِفَلسَيْن، ومَعَ ذلكَ فما مِنها واحِدٌ يَنساهُ الله” (لو 12، 6). “أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها” (متى 6، 26).

97. لقد استطاع الربّ أن يدعو الآخرين إلى الانتباه للجمال الموجود في العالم، لأنه هو نفسه كان على تواصل مستمرّ مع الطبيعة وكان يُعيرُها انتباهًا مِلؤه العطف والاندهاش. أثناء تجوّله في كلّ ركن من أركان أرضه، كان يتوقّف للتأمّل بالجمال الذي غرسه أبوه، ويدعو التلاميذ لاكتشاف ما تحمله الأشياء من رسالة إلهية: “اِرفَعوا عُيونَكم وانظُروا إِلى الحُقُول، فقَدِ ابْيَضَّت لِلحَصاد” (يو 4، 35). “مَثَل ُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَل أَخذَها رَجُلٌ فَزرعَها في حَقلِه. هيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول، بل صارَت شَجَرَةً” (متى 13، 31 – 32).

98. لقد عاش يسوع بتناغم تام مع الطبيعة وهو ما كان يثير دهشة الآخرين: “مَن هذا حتَّى تُطيعَه الرِّياحُ والبَحر؟” (متى 8، 27). لم يكن يبدو وكأنه ناسك منعزلٌ عن العالم أو عدوٌّ للأشياء الممتعة على هذه الأرض. فكان يؤكّد، مشيرًا إلى نفسه: “جاءَ ابنُ الإِنسانِ يَأَكُلُ ويَشربَ فقالوا: هُوَذا رَجُلٌ أَكولٌ شِرِّيبٌ لِلْخَمْرِ” (متى 11، 19). وقد ابتعد عن الفلسفات التي تحتقر الجسد والمادّة وأمور هذا العالم. بيد أن هذه الثنائيات غير السليمة، قد أثّرت تأثيرًا واضحًا في بعض المفكّرين المسيحيّين عبر التاريخ، وشوّهت الإنجيل. كان يسوع يعمل بيده، باتصالٍ يوميّ بالمادة التي خلقها الله كي يعطيها شكلًا بفضل مهاراته الحرفية. ومن المُلفِتُ للنَّظَر أنّه كرّس مُعظم حياته لهذا العمل، عبر حياة بسيطة لا تثير أي إعجاب: “أَلَيسَ هذا النَّجَّار ابنَ مَريَم؟” (مر 6، 3). لقد قَدَّسَ العملَ بهذه الطّريقَة وأعطاهُ قيمةً خاصّةً من أجلِ نضوجِنا. كان القدّيس يوحنّا بولس الثاني يُعَلِّم “أنّ الإنسانَ، بِتَحَمُّله عناء العمل باتحادٍ مع المسيحِ المصلوب من أجلنا، يتعاون على نحوٍ ما مع ابنِ اللهِ في فداءِ البشريّة”[79].

99. إن مصير الخليقةِ بأسرها، بحسب المفهوم المسيحيّ للواقع، يمرّ عبر سرّ المسيح، الكائن منذ البدء: “كُلُّ شيَءٍ خُلِقَ بِه ولَه” (قول 1، 16)[80]. وتُظهِرُ مقدّمةُ إنجيل يوحنا (1، 1-18) عملَ المسيح المُبدِع ككلمةِ الله اللوجوس (Logos). لكن هذه المقدّمة تفاجئ بتأكيدها على أن هذا الكلمة “صار بَشرًا” (يو 1، 14). لقد دخلَ أحدُ أقانيم الثالوث في الكون المخلوق، مشاركًا إياه المصير حتّى الصليب. فمن بدءِ العالم، وبالأخص بَدءًا من التجسّد، يَعمَلُ سرُّ المسيحِ، بطريقة خفيّة، في مُجمَلِ الواقعِ الطبيعي، دون الإضرار باستقلاليته.

100. إن العهدَ الجديدِ لا يُخبِرُنا فقط عن يسوع الأرضيّ وعن علاقَتِهِ المَلموسَة والمُحِبَّة جِدًّا مع العالم، وإنما يُظهِرُهُ أيضًا قائِمًا من بينِ الأموات ومُمَجَّدًا، وحاضرًا في كل الخليقة بِسيادتِه على الكون. “فقَد حَسُنَ لَدى الله أَن يَحِلَّ بِه الكَمالُ كُلُّه. وأَن يُصالِحَ بِه ومِن أَجلِه كُلَّ موجود مِمَّا في الأَرْضِ ومِمَّا في السَّمَوات وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه” (قول 1، 19 – 20). إن هذا ينقلنا إلى نهاية الأزمنة، عندما سيسلم “الابن” إلى “الآب” جميع الأشياء، لِيكونَ هكذا “اللّه كُلّ شَيءٍ في كُلِّ شيَء” (1 قور 15، 28). بهذه الطريقة لم تعد تظهر لنا مخلوقات هذا العالم وكأنها واقع طبيعي بحت، لأن القائم من بين الأموات يغمرها بطريقة سرّية ويقودها نحو مصير فيه الامتلاء. فزهور الحقل نفسها والطيور التي تأمّلَها بإعجاب، بعيونه البشرية، قد امتلأت الآن من حضوره المنير.

 

الفصل الثالث

الأصل البشري للأزمة الإيكولوجية

101. إن كنّا لا نُدرك الأصل البشريّ للأزمة البيئيّة، فلا جدوى من إعادة وصف الأعراض. هناك أسلوبٌ منحرفٌ في فهمِ الحياةِ والتصرّف البشريّ، وهو يتناقض مع الواقع لدرجة الإضرار إليه. ما الذي يمنعنا عن التريث للتفكير في هذا الأمر؟ لذا أقترح أن نركّز على النموذج التكنولوجي السائد وعلى المكان الذي يحتّله الكائن البشري ونشاطه في العالم.

I. التكنولوجيا: إبداع وسلطة

102.لقد دخلت البشرية في عصر جديد، تضعُنا فيه سُلطَة التكنولوجيا على مفترقِ طرق. نحن ورثة لقرنين من موجات هائلة من التغيير في التكنولوجيا: الآلة البخاريّة، السّكك الحديديّة، التلغراف، الكهرباء، السيارات، الطيّارات، الصناعات الكيميائيّة، الطّب الحديث، المعلوماتيّة ومؤخرًا الثورة الرقميّة (digital)، والروبوتيّات (robotics)، والتكنولوجيا الحيويّة والنانوتكنولوجيا. من الصواب أن نفرح بهذا الّتقدم وأن نتحمّس أمام الإمكانيّات الهائلة التي تفتحها لنا هذه المستجدّات المتواصلة، لأن “العلم والتكنولوجيا هما ثمرة رائعة للإبداع البشريّ الذي هو عطيّة من الله”[81]. تغيير الطبيعة لأغراضٍ مفيدة هو سمة من سمات الجنس البشريّ منذ بداياته، وبالتالي فإن التقنيّة “تُعرِبُ عن السّعي الكامِنِ في روح الانسان البشريّةِ للتغلُّبِ التدريجيّ على ظروفٍ ماديةٍ مُعيّنة”[82]. لقد وجدت التكنولوجيا علاجًا لعددٍ لا يُحصى منَ الشرور التي تؤذي الكائن البشري وتُحِدّه. ولا نستطيع إلا أن نقدِّر ونثمِّن التقدّم المُحقق، بالأخص في مجال الطّب، والهندسة والاتّصالات. وكيف لنا ألاَّ نعترف بكل جهود العديد من العلماء والتقنيّين الذين أوجدوا بدائل من أجل تنمية مستدامة؟

103.بإمكان العلوم-التكنولوجية، الموجّهة بطريقة جيّدة، أن تنتج ليس فقط أشياء ثمينة حقًّا تساهم في تحسين نوعيّة حياة الكائن البشريّ، بدءًا من الأدوات المنزليّة المفيدة وصولًا إلى وسائِل النّقل الكبيرة والجسور والأبنية والأماكن العامة؛ إنها قادرة أيضًا أن تنتج ما هو جميل وأن ينقل الكائن البشري، الغارق في العالم المادي، نحو “قفزة” إلى عالم الجمال. فهل يمكننا إنكار جمال طائرة أو بعض ناطحات السحاب؟ وهناك لوحات وأعمال موسيقيّة ثمينة أُبدِعَت بفضل أدوات تقنيّة حديثة. بهذه الطريقة تتحقق، في الفنان الذي يتوق للجمال، وفي مَنْ يتأمل بذاك الجمال، القفزة نحو ملءٍ هو بالتحديد إنسانيٍّ.

104.بيد أننا لا يمكن أن نتجاهل أن الطاقة النووية والتكنولوجيا الحيويّة والمعلوماتيّة ومعرفة الحمض النووي[viii] (DNA) الخاص بنا وإمكانيّات أخرى حققناها، تقدم لنا سُلطَةً مرعبة. بل بالأحرى، تمنح بالأخص لأولئك الذين يملكون المعرفة والسلطة الاقتصادية لاستغلالها، هيمنةً رهيبة على مجمل الجنس البشري وعلى العالم بأسره. لم يكن للبشريّة قطّ مثل هذه السلطة على ذاتها، وما من شيء يضمن أنها سوف تستعملها بطريقة جيّدة؛ بالأخص إن أخذنا بعين الاعتبار كيف تستخدمها حاليًّا. يكفي أن نتذكّر القنابل الذرّية التي أُلقِيَت في أواسِطِ القرنِ العشرين، أو الاستعراض التكنولوجي الضخم الذي تفاخرت به النازية والشيوعية وأنظمةٌ شموليةٌ أخرى في خدمة إبادة الملايين من الأشخاص، دون أن ننسى أن حروب اليوم تتمتّع بوسائل هي باستمرار أكثر فتكًا. فبين أيدي مَن توجَدُ كلُّ هذه السلطة، ولأيدي مَنْ قد تَصِل؟ إنه لخطر رهيب أن تتواجد في جزء صغير من البشرية.

105.هناك مَيلٌ للاعتقاد بأن “كلّ زيادة في السلطة تُشكّل ببساطة تَقَدُّمًا في حد ذاته، وزيادة في الأمن والمنفعة والرفاه والطاقة الحيوية والقيم”[83]، وكأن الواقع والخير والحق تنبع تلقائيًّا من السلطة التكنولوجية والاقتصادية ذاتها. الواقع هو أن “الإنسان المعاصر لم يتم إعداده لاستخدام السّلطة بطريقة صحيحة”[84]، لأن النموّ التكنولوجيّ الهائل لم يُرافقه نموّ للكائن البشري في مجال المسؤوليّة والقيم والضمير. ويميل كلّ عصرٍ إلى تنميةِ وعيٍ ذاتي ضعيف بضآلة محدوديّته. لهذا السّبب فإن البشريّة قد لا تشعر اليوم بخطورة التحدّيات التي تواجهاها، و”بالاحتمال المتزايد للإنسان في استخدامٍ سيّءٍ لسُلطَتِهِ” عندما “لا تتواجد أيّةُ قاعدة لتنظيم الحرّية، بل حاجاتٌ مزعومة: الفائدة والأمن”[85]. إن الكائن البشري ليس مستقلّا تمامًا؛ وحريته تعتل حين تستسلم للقوى العمياء للاوعي، وللضرورات الفورية، وللأنانية، وللعنف الوحشي. بهذا المعنى، يبقى عاريًا، وأعزل أمام خطر سلطته نفسها، التي ما زالت تتزايد، دون أن يملك الوسائل اللازمة لضبطها. قد تتوفر لديه آليّات سطحيّة، ولكن يمكننا القول بإنه يفتقر لأخلاقيّات متينة على النحو الكافي، ولثقافة ولروحانية ترسم له حدودا وتبقيه في حالةِ تحكم جلي بذاته.

 

II. عولمة النموذج التكنوقراطي

106.المشكلة الأساسيّة هي مختلفة، وأكثر عمقًا: هي الطريقة الفعليّة التي تستوعب بها البشرية التكنولوجيا ونموّها، بالترافق مع نموذج متجانس وأحادي البُعد. في هذا النموذج، يُسلَّط الضوءُ على مفهومٍ للشخص الذي، يستوعب تدريجيًّا الشيءَ الخارجيّ وبالتالي يملُكُه، عبر العملية المنطقية-العقلية. وهذا الشخص يعبر عن نفسه بإرساء الأسلوب العلميّ، مع ما يتبعه من اختبارات، والذي هو، وبوضوح، تقنية للامتلاكِ وللتسلطِ وللتغيير. وكأن الشخص يجد نفسه أمام واقعٍ منقوص، ومستعدّ تمامًا لأن نتلاعب به. لقد تدخّل الكائن البشري على الدوام في الطبيعة، ولكن تدخّله كان، ولمدّةٍ طويلة، يتميّز بصفة المرافقة، وبالخضوع للإمكانياتِ التي تقدمها الأشياء ذاتها. قد كان في الواقع تلقّيًا لما كان يسمح به الواقع الطبيعي، وكأنه يستعطي. أما الآن فعلى العكس، إن ما يهمّ هو استخراج كلّ ما هو ممكن من الأشياء من خلال وضع اليد البشرية، التي تميل إلى تجاهل أو نسيان الواقع ذاته للشيء الموجود أمامها. لهذا فقد توقّفت المصافحة الودّية بين الكائن البشري والأشياء، وأصبحا، على العكس، في مواجهة. ومن هنا يتمّ الانتقال وبسهولة إلى فكرة النموّ اللامتناهي أو غير المحدود، التي حمّست الكثير من علماء الاقتصاد والمال والتكنولوجيا. إن هذا يفترض الكذب حول التوافر اللامتناهي لخيرات الأرض، والذي يقود إلى “ابتزازها” حتى أقصى الحدود وإلى ما يتجاوز حتى الحد المسموح به. إنه الافتراضَ الزائف بأنّه “يوجد كمّية غير محدودة من الطاقة ومن الوسائل التي يمكن استخدامها، وبأن تجدّدها الفوري هو ممكن، وبأنه يمكن احتواء التأثيرات السلبية للتلاعبات في الطبيعة”[86].

107.يمكننا التأكيد بالتالي، أن سبب الكثير من مصاعب العالم الحالي هو قبل كلّ شيء الميل، اللاشعوريّ أحيانًا، لإعداد المنهجيّة وأهداف العلوم-التقنية بحسب نموذجَ فهمٍ يتحكم بحياة الأشخاص وبمسيرة المجتمع. إن نتائج تطبيق هذا النموذج على كلّ الواقعٍ، البشريّ والمجتمعي، يمكن رؤيتها في التدهور البيئي، والذي ما هو إلاَّ علامة للاختزالية التي تصيب الحياة البشرية والمجتمع في شتّى أبعادهما. ينبغي الاقرار بأن منتجات التقنية ليست محايدة، لأنها تخلق حالة تنتهي بالتحكم في أنماط الحياة وتوجيه الفرص الاجتماعية بما يتماشى مع مصالح فئات محددة من السلطة. فبعض الخيارات، والتي تبدو موَّجَهةً للغاية، هي بالحقيقة خيارات تتعلق بنمط الحياة الاجتماعية الذي ننوي أن نطوّره.

108.لا يجوز التفكير بدعم نموذج ثقافي آخر والاستفادة من التقنية كمجرّد أداة وحسب، لأن النموذج التكنوقراطي أصبح اليوم مهيمنًا لدرجة أنه من الصعب جدّا التخلّي عنه، ومن الأصعب أيضًا استعمال موارده دون الخضوع لمنطقه. فقد أصبح من “غيرِ-الثقافي” أن نختار نوع حياةٍ ذا أهدافٍ مستقلّة، ولو قليلًا، عن التقنيّة وعن تكاليفها وعن سلطتها التي تعولم وتسحق. إن التقنية في الواقع تميل إلى عدم ترك شيء خارج منطقها الحديدي، “فالإنسان، والذي هو الفاعل الأساسي يعرف، كما تبين آخر التحليلات، أن الأمر لا يتعلق لا بالمنفعة ولا بالرّفاه، وإنما بالسّلطة؛ بِكُلِّ ما لكلمة السلطة من معنى”[87]. لهذا “فهو يحاول التحكّم في عناصر الطبيعة كما في عناصر الوجود البشريّ”[88]. وهكذا تَضعف القدرةُ على القرار، والحرية الأكثر أصالة، وحيِّز الإبداع البديل الخاص بالأفراد.

109.يميلُ النموذجُ التكنوقراطي أيضًا إلى ممارسة سلطته على الاقتصاد والسياسة. فالاقتصادُ يتبنّى كلَّ تطوّرٍ تكنولوجيّ وفقًا للربح، دون إعارة أي اهتمام للنتائج السلبية المحتملة على الكائن البشري. المالية تَخنق الاقتصادَ الحقيقي. إننا لم نأخذ بعد عبرة من الأزمة المالية العالمية، ونستوعب ببطء كبير العبرة من التدهور البيئي. يُقال في بعض الدوائر إن الاقتصادَ الحالي والتكنولوجيا سيجدان الحلول لجميع المشاكل البيئية، كما يتمّ التأكيد، بلغةٍ غير أكاديميّة، بأن مشاكلَ الجوع والبؤس في العالم ستجد وببساطة حلولا بنموّ الأسواق المالية. إنها ليست مسألة نظريات اقتصاديّة، قد لا يجرؤ أحدٌ الدفاع عنها اليوم، إنما مسألة توغلهم في التطوّر الفعليّ للاقتصاد. فالذين لا يؤيّدونه بالكلام، يؤيّدونه بالأفعال، عندما لا يبدون مهمومين بحجمِ إنتاجٍ سليم، وبتوزيعٍ أفضل للثروات، وبعنايةٍ مسؤولة بالبيئة، وبحقوقِ الأجيالِ القادمة. إنهم يعبّرون من خلال تصرّفاتهم عن أن الهدف هو التوصّل إلى الأرباح القصوى، وهذا بالنسبة إليهم يكفي. لكنَّ منطق السوق وحده لا يضمن النموّ البشريّ الكامل ولا التماسك الاجتماعي[89]. في الوقت نفسه، نسجّل “نوعًا من التطوّر الاستهلاكيّ الخارق والمبدّد والذي يتناقض، بطريقة غير مقبولة، مع أوضاع مستمرة من البؤس الذي يسلب من الإنسان إنسانيته”[90]، في حين أنه لا يتم بسرعة كافية تشكيل مؤسسات اقتصادية وبناء قنوات اجتماعية تسمح للأكثر فقرًا أن يحصلوا على الموارد الأساسيّة بطريقة منتظّمة. إنّنا لم نُعِر بعد الاهتمام بالجذور العميقة للاختلالات الحاليّة، والتي ترتبط بتوجّه النمو التكنولوجي والاقتصادي وغاياته ومعناه وسياقه الاجتماعي.

110.إن التخصُّصَ التكنولوجي بحد ذاته يفرض صعوبة بالغة في الوصول لرؤية شاملة. فتجزئة المعرفةِ تحقق مهمتها عند الحصول على تطبيقات ملموسة، ولكنها غالبًا ما تقود لفقدان المعنى الشامل للعلاقات القائمة فيما بين الأشياء، وللأفق الأوسع، فيُضحى المعنى بغير ذي قيمة. إن هذا الفعل بحد ذاته يحول دون إيجاد طرق ملائمة لحل المشاكل الأكثر تعقيدًا في العالم الحالي، وبالأخص تلك المرتبطة بالبيئة وبالفقراء، والتي لا يمكن التطرق إليها بناءً على وجهة نظر أحادية أو وفقًا لنوع واحد من المصالح. فعلم يدّعي تقديمَ حلولٍ للمسائل الكبرى ينبغي عليه بالضرورة أن يضع في الحسبان ما توصلت إليه المعرفة في مجالات العلوم الأخرى، بما في ذلك الفلسفة وعلم الأخلاق الاجتماعية. لكنَّ هذه هي طريقة في التحرك يصعب اليوم المضي بها قُدمًا. لهذا لا يمكن حتى التعرف على أفقٍ أخلاقية مرجعيةٍ حقيقية. فتضحى الحياة مجرد رضوخ للظروفِ التي تتحكم بها التقنيّة، والتي يتم اعتبارها كالوسيلة الأساسية لتفسير الوجود. في الواقع الملموس، والذي يحثنا على التفكير، تظهر أعراضٌ مختلفة تدلّ على وجود الخطأ، مثل التردّي البيئي، أو القلق أو فقدان معنى الحياة والعيش سويًّا. وهكذا نرى مرة أخرى أن “الواقع هو أهمّ من الفكرة”[91].

111.لا يمكن حصر الثقافة الإيكولوجية في سلسلة من الأجوبة العاجلة والجزئية للمشاكل التي تظهر في مجال التدهور البيئي، ونفاذ المخزونات الطبيعية، والتلوث. ينبغي أن تكون نظرة مختلفة، وفكر، وسياسة، ومنهج تعليمي، ونمط حياة وروحانية تستطيع أن تشكل مقاومة في وجه تقدم النموذج التكنوقراطي. خلافًا لذلك، فإن، حتى أفضل المبادرات الإيكولوجية، ستنتهي بالسقوط في نفس منطق العولمة. فالبحث فقط عن علاج تقني، كلما برزت مشكلة بيئية، يعني الفصل بين أمور هي في الواقع متصلة، وإخفاء مشاكل النظام العالمي الحقيقية والأكثر عمقًا.

112.ما زال ممكنًا، وبالرغم من ذلك، بسط رؤية رحبة مجددًا، فالحرية الإنسانية هي قادرة على وضع حدود للتقنية، وعلى توجيهها والتحكم بها لخدمة نوع آخر من التقدم، أكثر سويّةً، وأكثر إنسانية، وأكثر ملائمة للمجتمع وأكثر شمولا. في الواقع يتحقق التحرر من النموذج التكنوقراطي السائد في بعض المناسبات. على سبيل المثال، عندما تختار جماعات من صغار المُنتِجينَ أنظمة تصنيع أقَلّ تلويثًا، داعمةً لنموذج حياة وتعايش وسعادة غير استهلاكيّ. أو عندما يتم توجيه التقنية قبل كل شيء نحو حل مشاكل الآخرين الملموسة، بإلتزامٍ بمساعدتهم على العيش بمزيد من الكرامة وبمعاناة أقل. وكذلك عندما تنجح الأبحاث الخلّاقة للجمال ولتأمله، بتخطي السلطة المُوَضِّعَة، في نوع من الخلاص، الذي يتحقق في الجمال وفي الشخص الذي يتأمل به. إن البشرية الأصيلة، والتي تدعوّ لصيغة جديدة، تبدو مستغرقة في خِضَمّ الحضارةِ التكنولوجية بشكل تقريبًا غير مُدْرَكٍ، كالضباب الذّي يتسرّب من تحت باب مغلق. فهل ستكون وعدًا دائمًا، بالرغم من كل شيء، متدفقًا كمقاومة عنيدة يتميز بها كل ما هو أصيل؟

113.من جهة أخرى، يبدو البشر الآن وكأنهم لا يؤمنون بمستقبل سعيد، ولا يثقون بشكل أعمى بغد أفضل، اعتمادًا على أوضاع العالم الحالية وعلى القدرات التقنية القائمة. هناك إدراك بأن إنجازات العلم والتقنية ليست على نفس مستوى تقدم البشرية والتاريخ، وشعور بأن الطرق الأساسية للوصول إلى مستقبل سعيد هي مختلفة. لكنهم، وبالرغم من ذلك، لا يتصوّرن مجرد التخلي عن الإمكانيات التي تقدمها التكنولوجيا. لقد تغيرت البشرية تغيرا عميقًا، وأدَّى تراكم الابتكارات المستمرة إلى تكريس هروبٍ يَجُرُّنا، في اتجاهٍ واحد، إلى السطحيّة. وقد أصبح صعبًا أن نتوقف لاسترجاع المعنى العميق للحياة. فإذا كانت الهندسة تعكس روحَ عصرٍ معيّن، فإن الأبنية العملاقة والبيوت المتسلسلة تعبّر عن روح التقنية المُعَولَمَة، حيث الابتكارات المستمرة للمنتجات تتحد بضجر ثقيل. علينا ألا نستسلم لهذا، وألا نتخلّى عن التساؤل حول غايات ومعنى كل شيء. خلافًا لذلك، فإننا نضفي فقط الشرعية على الوضع الراهن وسنحتاج إلى المزيد من البدائل لتحمّل الفراغ.

114.إن ما يحدث الآن يضعُنا أمام الحاجة الملحة إلى الشروع في ثورة ثقافية شجاعة. إن العلم والتقنية ليسا حياديين، بل وبإمكانهما، منذ الشروع في عملية ما وحتى نهايتها، تطبيق نوايا وإمكانيات مختلفة، والتشكّل بطرق مختلفة. ما من أحدٍ يدّعي أنه يريد العودة إلى العصر الحجري، ولكن لا بدَّ من إبطاء سرعة السير، لرؤية الواقع بطريقة مختلفة، وجمع التطورات الإيجابية والمستدامة، وفي الوقت عينه استعادة القيّم والأهدافِ العظيمة التي دمرها جنون العظمة.

 

III. أزمة ونتائج المركزية الأنثروبية[ix] الحديثة

115.لقد انتهى الأمر بالمركزية الأنثروبية الحديثة، بشكل متناقص، إلى تغليب منطق التقنية على الواقع، لأن الكائن البشري “لم يعد يشعر بالطبيعة كقانون صالح، ولا كملجأ يمكن العيش فيه. بل يراها عمليًّا، وبدون أية اعتبارات أخرى، كمكان وكمادة يحقق فيهما عملا ما، قد يضع فيه كل شيء، دون الاكتراث بما ينجم من نتائج”[92]. بهذا الشكل، يتم تقليص القيمة الذاتية للعالم. لكن الكائن البشري ما لم يكتشف مكانه الحقيقي مجددا، فهو لن يفهم نفسه بطريقة مناسبة، وسينتهى به الأمر إلى مناقضة واقعه الخاص. “ليس فقط الأرض هي التي وهبها اللهُ للإنسان، والذي عليه أن يستخدمها ملتزمًا بالإرادة الأولى الصالحة التي بها وهِبتْ له؛ وإنما الإنسان وُهِبَ من الله لنفسه، ولذا فعَلَيهِ احترام الكيان الطبيعي والأخلاقي الذي خصه الله به”[93].

116.لُوحظ في الحداثة مبالغة شديدة بالمركزية الأنثروبية والتي اليوم، تحت أقنعة أخرى، ما زالت تهدد أيّة مرجعية مشتركة وأية محاولة لتعزيز الأواصر الاجتماعية. لهذا فقد حانَ الوقتُ للانتباه مجددّا إلى الواقع وبالحدود التي يفرِضُها، والتي تُشكِّلُ بِدورِها إمكانيةَ تطورٍ إنسانيّ واجتماعيّ أكثرَ متانةً وخصوبةً. لقد انتهى العرض غيرُ المناسب للأنتروبولوجية المسيحية بدعمِ مفهوم خاطئ بشأن علاقةِ الكائن البشري بالعالم. وكثيرًا ما تم تناقل حلم بروموتي[x] (promethean) بالسيطرةِ على العالم، والذي قد أنتج انطباعًا بأن رعاية الطبيعة هو أمر يخص الضعفاء. بينما التفسير الصحيح لمفهوم الكائن البشري كسيّدِ الكون هو بمعني أنه المُدبر المسؤول[94].

117.إن غياب الاهتمام بقياس الأضرار التي أُلحِقَت بالطبيعة والتأثير البيئي للقرارات، هو فقط الانعكاس الواضح لعدم الاكتراث بإدراك الرسالة التي تحملها الطبيعة والمحفورة في ذات مكوناتها. فعندما لا نفطن في الواقع ذاته إلى أهمية فقير، وجنين بشري، وشخص مُعاق، -على سبيل المثال فقط-، فسيكون من الصعب الإصغاء لصرخات الطبيعة نفسها. إن كل شيء هو متّصل. فإذا أعلن الكائن البشري أنه مستقل عن الواقع ويُنصِّب نفسه حاكِمًا مُطلقًا، فإن أساس وجودِه ذاته ينهار، لأنه “بدلا من القيام بدوره كمعاون لله في عمل الخلق، فإنه يضع نفسه مكان الله ويتسبب بهذا بتمرد الطبيعة”[95].

118.يحملنا هذا الوضع إلى انفصام دائم في الشخصية، يبدأ بتمجيد التكنوقراطية التي لا تعترف بالقيمة الخاصة لبقية الكائنات، وصولا إلى ردة الفعل التي تنفي كل قيمة خاصة للكائن البشري. بيد أنه لا يمكن إغفال البشرية. ولن يكون هناك وجود لعلاقة جديدة مع الطبيعة بدون كائن بشري جديد. ولا وجود لإيكولوجية بدون أنتروبولوجية ملائمة. فعندما يُعتبر الشخص البشري مجرد كائن من بين الكائنات، وليدًا للعبة الصدفة أو نتاجًا للحتمية المادية، “فإننا نخاطر بإضعاف الوعي بالمسؤولية داخل الأشخاص”[96]. فلا يجب بالضرورة لمركزية أنثروبية منحرفة أن تترك المجال لنظرية مركزية الحياة “البيوسنتريزم”[xi]، لأن هذا يعني إدخال اختلال آخر، لن يعمل فقط على حل المشاكل وإنما سيزيدها تعقيدا. لا يمكن مطالبة الكائن البشري بإلتزام تجاه العالم، دون الاعتراف بقدراته الخاصة في المعرفة والإرادة والحرية والمسؤولية، وفي ذات الوقت إبراز قيمتها.

119.إن انتقاد المركزية الأنثروبية المنحرفة لا ينبغي أن يضع قيمة العلاقات بين الأشخاص في المرتبة الثانية. فإذا كانت الأزمة الإيكولوجية هي الظهور أو التعبير الخارجي عن الأزمة الأخلاقية والثقافية والروحية للحداثة، فإنه لا يمكننا أن نتوقع إعادة بناءِ علاقَتنا مع الطبيعة ومع البيئة دونَ معالجة جميع العلاقات الإنسانية الأساسية. فعندما يُطالب الفكرُ المسيحيُّ بإعطاء الكائن البشري قيمة خاصة تفوق سائر المخلوقات، فهو يعطي قيمة لكل شخص إنساني، ويحفز بالتالي الاعترافَ بالآخر. إن الانفتاح على “أنت” القادر على أن يعرف وأن يحب وأن يتحاور، يبقى النُبل الأعظم في الشخص البشري. لهذا السبب، كي يتم الوصول إلى علاقة ملائمة مع المخلوقات، ليس هناك حاجة لإضعاف بُعدِ الكائن البشري الاجتماعي ولا حتى بُعده السامي، أي انفتاحه على الـ”أنت” الالهي. في الواقع، لا يمكن اقتراح علاقة مع البيئة تُغفَل العلاقات مع الأشخاص الآخرين ومع الله. مثل هذا سيكون نزعةً فرديةً رومانسيةً، متنكّرة في زيّ جمالٍ إيكولوجي، بل وانغلاقًا خانقًا للذات في المحايثة[xii].

120.وبما أن كل شيء هو متصل، فإنه لا يمكن التوفيق بين الدفاع عن الطبيعة وتبرير الإجهاض. فلا يبدو أمرًا عمليًّا انتهاج مسيرة تعليمية لاستقبال الضعفاء الذين حولنا، والذي أحيانًا يضايقوننا أو يزعجوننا، عندما لا نقدم حماية للجنين البشري، حتى ولو كان مجيئُه سيسبب مضايقات وصعوبات: “إن فُقِدَ الإحساسُ الشخصي والاجتماعي تجاهَ تقبُّل حياةٍ جديدةٍ، جفَّتْ أشكالٌ أخرى من الترحيبِ بما هو نافعٌ للحياةِ الاجتماعية‏”[97].

121.يبقى أمر تطوير صيغة جديدة تتخطّى الجدليّة المزيّفة للقرون الأخيرة في حالة ترقب. إن المسيحية نفسها، ببقائها أمينة لهويتها ولكنز الحقيقة الذي تسلمته من يسوع المسيح، تعيد باستمرار التفكير في نفسها، والتعبير مجددًا عن ذاتها، في الحوار مع الأوضاع التاريخية الجديدة، سامِحَةً هكذا لجديدها الأبدي بأن يسطع دائما[98].

 

النسبوية العملية

122.تؤدي المركزية الأنثروبية المنحرفة إلى نمط حياة منحرف. وقد أشرت في الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل إلى النسبوية العملانيّة التي تميّز عصرنا، والتي هي “أخطر من النسبوية العقيدية”[99]. فعندما يضع الكائن البشري نفسَه في المركز، ينتهي به الأمر بإعطاء الأولوية المطلقة لمصالحه الظرفية، ويصبح كل الباقي نسبيًّا. لهذا، يجب ألا نندهش من أن يتطوَّر لدى الأشخاص، مع الحضور الطاغي للنموذج التكنولوجي وعبادة السلطة البشرية غير المحدودة، التي فيها كل ما لا يخدم المصالحة الشخصية الفورية يصبح بلا قيمة. في هذا منطق يسمحُ بِفهمِ كيف تتغذّى، بصورة متبادلة، المواقفُ المختلفة المسببة في نفسِ الوقت بالتردّي البيئي والاجتماعي.

123.إن ثقافة النسبوية هي ذات المرض الذي يدفع شخصًا لاستغلالِ شخصٍ آخر، ولمعاملتِهِ كمجرّدِ شيء، مُجبِرًا إياه على أعمالٍ شاقة، أو محوِّلا إياه إلى عبدٍ بسبب دَينٍ ما. إنه ذات المنطق الذي يدفع لاستغلال الأطفال جنسيًّا، ولهجر المسنين الذين لا يخدمون المصالح الشخصية. هو أيضًا المنطق الداخلي نفسه لمَنْ يؤكد: “لندع قوى السوق الخفية تنظّم الاقتصاد، لأن تأثيراتها على المجتمع وعلى الطبيعة هي أضرار لا مفرّ منها”. إن لم يكن هناك حقائق موضوعية ومبادئ ثابتة، تتخطى إرضاء المشاريع الخاصة والحاجات الفورية، فما من حدود يمكنها أن تحد أبدًا من الاتجار بالبشر، ومن جماعات الإجرام المنظمة، ومن تهريب المخدرات، ومن التجارة الدموية بالألماس وجلود الحيوانات التي هي في خطر الانقراض؟ أوليس المنطق عينه هو الذي يبرَّرُ الحصول على أعضاء الفقراء بهدف الإتِّجار بها أو استعمالِها في التجارب، أو التخلص من الأطفالِ الذين لا يلبون رغبة أهلهم؟ إنه نفس منطق «استعمل وارمِ» الذي يُنتج الكثيرَ من النفايات لمجرد الرغبة المنحرفة في استهلاك أكثر مما هو حقًا ضروري. لذا لا يمكننا الاعتقاد بأن البرامج السياسية او قوة القانون ستكون كافية لمنع التصرفات المُضرّة بالبيئة؛ لأنه عندما تصاب الثقافةُ بالفساد، وعندما نصبح غير قادرين بعد على الاعتراف بأي حقيقة موضوعية أو بأي مبادئ صالحة على المستوى العالمي، فإن القوانين ستعتبر كشروطٍ مفروضة وتعسفية وكعقبات يجب تجنبها.

 

ضرورة حماية العمل

124. في أي إعداد لإيكولوجية شاملة، لا تستثني الكائن البشري، لا بدّ من إدخال قيمة العمل، وهو موضوع قد تطرق له بحكمة كبيرة القديس يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة من خلال العمل (Laborem Exercens). لنذكر أن الله، بحسب الرواية الكتابية للخلق، قد وضعَ الكائن البشري في الجنة، التي كان قد خلقها للتو(را. تك 2، 15)، ليس فقط كي يرعى ما هو موجود (يحرس)، وإنما ليعمل فيه فيعطي ثمارًا (يحرث). هكذا العُمالُ والحرفيون “يُثَبَتون الخَليقَةَ الأَبَدِيَّة” (سي 38، 34). في الواقع، التدخل البشريّ الذي يسمح بتطوّر متزن للخليقة، هو الطريق الأكثر مُلائمةً لرعايتها، لأنه يجعل منا أدوات لله تساعد في إبراز القدرات التي وضعها الله نفسه في الأشياء: “الرَّبُّ أَخرَج الأَدوِيَةَ مِنَ الأَرض والرَّجُلُ الفَطِنُ لا يَستَخِفُّ بها” (سي 38، 4).

125.إذا أردنا التفكير في العلاقات التي يمكن أن تكون ملائمة للكائن البشري مع العالم الذي يحيط به، تظهر الحاجة لتحديد مفهوم صحيح للعمل، لأننا، إذا تكلمنا عن علاقة الكائن البشري بالأشياء، فإن السؤال يطرح نفسه عن معنى وهدف العمل الإنساني على أرض الواقع. وهنا لا نتكلم فقط عن العمل اليدوي أو عن العمل في الأرض، وإنما عن أي نشاط يؤول إلى تحويل ما هو موجود، من الإعداد لدراسة اجتماعية وحتى الوصول إلى التخطيط لتطور تكنولوجي. فأي شكل من أشكال العمل يفترض وجود مفهوم حول العلاقة التي يمكن للكائن البشري أو يجب عليه أن يقيمها مع آخر في ذاته. إن الروحانيةَ المسيحيةَ، جنبًا إلى جنب مع الاندهاش التأملي بالمخلوقات الذي نجده لدى القديس فرنسيس الأسيزي، قد طوّرَت فهمًا غنيًّا وصالحًا للعمل، كما يمكننا أن نراه، مثلا، في حياة الطوباوي شارل دي فوكو (Charles de Foucauld) وتلاميذه.

126.لنقطف شيئًا أيضًا من التقليد الرهباني الطويل. في البدء لجأت الحياةُ الرهبانية بشكل ما إلى الهروب من العالم، في محاولة للإفلات من الانحطاط الحضري. لهذا كان الرهبان يبحثون عن البرية، مقتنعين بأنها المكان المناسب للتعرف على حضور الله. ثم بعد ذلك أراد القديس بندكتُس النيرسي أن يعيش رهبانه في جماعة، رابطين بين الصلاة والمطالعة والعمل اليدوي “عبادة وعمل” (Ora et labora). ثمَّ تبيّن أن إدخال العمل اليدوي، وقد تشرَّب معنىً روحيّا، كان أمرًا ثوريًّا. فقد علّم كيفية البحث عن النضج والتقديس من خلال التزاوج بين التأمل والعمل. إن هذه الطريقة لعيش العمل تجعلُنا أكثرَ انتباهًا واحترامًا للبيئة وتُخصِبُ علاقتَنا بالعالم بقناعة سليمة.

127.قد سبق وقُلنَا إن “الإنسانَ هو مؤلف ومركز وغاية الحياة الاقتصادية والاجتماعية بأسرها”[100]. على الرغم من ذلك، عندما يفقد الكائن البشري القدرة على التأمل وعلى الاحترام، حينها تنشأ الظروف الملائمة كي يتم تشويه معنى العمل[101]. من المفيد دائمًا تذكّر أن الكائن البشري هو، في الوقت ذاته، “قادر على أن يكون هو بنفسه عامل تحسنٍ لرخائه المادي، وتقدمه الأخلاقي، وتفتحه الروحي”[102]. ينبغي أن يكون العمل مكان هذا التطور الشّخصي المتعدد، حيث توضَعُ على المِحَكّ أبعاد عديدة من الحياة: الإبداع، والتخطيط للمستقبل، وتطور القدرات، وممارسة القيم، والتواصل مع الآخرين، وموقف عبادة. لهذا فإن الواقع الاجتماعي العالمي الحالي، وبغض النظر عن المصالح المحدودة للشركات وعن عقلانية اقتصادية قابلة للنقاش، يجب “أن يواصَلَ السعيُ، كأولويةٍ، بهدفِ أن يحصلَ الجميعُ على فرصِ العملِ”[103].

128.إننا مدعوون للعمل منذ أن خُلِقنا. فلا يجب السعي باستمرار لاستبدال العمل البشري بالتقدم التكنولوجي: لأنه بهذه الطريقة ستُدمر البشريةُ نفسَّها بنفسِّها. العمل هو ضرورة، إنه جزء من معنى الحياة على هذه الأرض، وهو درب للنضوج وللتطوّر الإنساني ولتحقيق الذات. بهذا المعنى، يجب أن تبقى مساعدة الفقراء بالمال علاجًا مؤقتا لمواجهة الحالات الطارئة. المقصدُ الحقيقي هو السماح لهم بأن يعيشوا بكرامة عن طريق العمل. بيد أن توجّه الاقتصاد قد عزّز نوعًا من التقدّم التكنولوجي من أجل تخفيض تكاليف الإنتاج عن طريق تخفيض عدد الموظّفين، والذين يتم استبدالهم بالآلات. إنه مثال آخر يُظهر كيف يمكن لعمل الكائن البشري أن ينقلب عليه نفسه. إن تخفيض عدد الوظائفِ له “أثرٌ اقتصاديٌّ سلبي، من خلالِ التآكلِ التدريجي لـ “رأسِ المال الاجتماعي”، أي لمجموعةِ العلاقاتِ ‏المبنيةِ على الثقةِ والأمانةِ، واحترامِ القواعدِ الضرورية لكلِّ تعايشٍ مدني”[104]. ومن المؤكد أن “التكاليف البشرية هي دائمًا تكاليفُ اقتصاديةٌ والإخفاقُ الاقتصادي ينطوي دائماً على تكاليفَ بشريةٍ”[105]. إن التوقّف عن الاستثمار في الأشخاص بهدف رفع المردود الفوريّ هو صفقة رديئة للمجتمع.

129.كي يستمر ممكنا تقديم فرص عمل، ينبغي تعزيز اقتصادٍ يشجّعُ الإنتاج المتنوّع والإبداع التصنيعي. على سبيلِ المثال، هناك تنوّعٌ كبيرٌ في النظم الغذائيةِ الزراعية، صغيرة الحجم، التي لا تزال تؤمّنُ الغذاءَ لغالبيةِ سكّانِ العالم، مُستَغلة مساحات محدودة من الأراضي ومن المياه ومنتجة نفايات أقل، سواء في قطع صغيرة من الأراضي الزراعية والحدائق، كما في الصيد وفي جني منتجات الغابات، وصيد الأسماك الحرفي. إن اقتصاديات السعة[xiii]، وبالأخص في قطاع الزراعة، تنتهي بإرغام صغار المزارعين على بيع أراضيهم أو هجر طرق زراعتهم التقليدية. وقد تبيّنَ في نهاية الأمر أن محاولة بعضهم للتوجّه نحو أشكالٍ أُخرى من الإنتاج، أكثر تنوّعًا، هو توجه غير نافع بسبب صعوبة الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية أو لأن البنية التحتية للبيع وللنقل هي في خدمة المشاريع الكبرى. لدى السلطات الحق والمسؤولية في تبني تدابير واضحة وثابتة لدعم صغار المنتجين والتنوع الإنتاجي. فلكي يكون هناك حرية اقتصادية يستفيد منها الجميع، يتحتم في بعض الأحيان وضع حدود لمن يمتلكون القدر الأكبر من الوسائل وسلطة مالية. إن مجرد التغني بالحريّة الاقتصادية، بينما في الواقع تمنع الأوضاع الحقيقية الكثيرين من الوصول إليها، وبالتالي تضاؤل فرص العمل، هو خِطاب متناقض يُلحق العار بالسياسة. إن النشاطات التجارية، والتي هي دعوة نبيلة تهدف لإنتاج الغنى وإصلاح العالم من أجل الجميع، بإمكانها أن تكون طريقة مثمرة لتطوير المنطقة التي تقوم عليها الأنشطة التجارية، لا سيما إذا أدراك المرء أن خلق فرص عمل هو جزء لا ينفصل عن خدمته للخير العام.

 

الابتكار البيولوجي انطلاقًا من البحوث

130.في النظرة الفلسفية واللاهوتية للكائن البشري وللخليقة، والتي حاولت تقديمها، يظهر جليًّا أن الشخص البشري، بفرادة عقله ووعيِّه، ليس عاملا خارجيًّا ينبغي إقصاؤه كليًّا. غير أن التعليم المسيحي (للكنيسة الكاثوليكية) -حتى ولو تمكن الكائن البشري من التدخل في عالم النبات والحيوان واستخدامه عند حاجته له في حياته- يعلم أن إجراء التجارب على الحيوانات هو أمر شرعي فقط، إن “بقيَّ داخل حدود معقولة وساهم في رعاية أو إنقاذ الأرواح البشرية”[106]. ويذكّر بحزم أن للسلطة البشرية حدودًا وأن “تعذيب الحيوانات سُدى وهدر حياتها، يتعارضان والكرامة الإنسانية”[107]. إن أية تجارب على الخليقة أو أي استخدام لها “يقتضي احترامًا دينيّا لسلامتها” [108].

131.أريد أن استشهد هنا بالمواقِف المتزنة للقديس يوحنا بولس الثاني، والذي وضَّح خلالها فوائد التقدّم العلمي والتكنولوجي، التي “تُظهرُ نُبلَ دعوةِ الإنسان في المشاركة المسؤولة في عملِ الله الخلّاق”، ولكنه ذكَّرَ أيضًا، في الوقت عينه، كيف أن “أي تدخل في مجال ما من النظام البيئي لا يمكن أن يعتق نفسه من مسؤولية الأخذ بعين الاعتبار عواقبها في مجالات أخرى”[109]. وقد شدَّد على أن الكنيسة تقدّر المساهمة التي تقدمها “دراسة وتطبيقات البيولوجيا الجزيئية، وما يكملها من تخصّصات أخرى مثل علم الوراثة وتطبيقه التكنولوجي في الزراعة والصناعة”[110]. كما أكّد أيضًا أن هذا لا ينبغي أن يؤدي إلى “التلاعب الجيني العشوائي”[111] والذي يتجاهل التأثيرات السلبية لهذه التدخلات. لا يمكن خنق الأبداع البشري. فإن كان من غير الممكن أن يُمنع فنان من عرض قدرته على الإبداع، فلا يمكن عرقلة الذين يمتلكون مواهب خاصة للتطوّر العلمي والتكنولوجي، وهي قدرات قد وُهِبَت لهم من قِبَلِ الله لأجل خدمة الآخرين. في الوقت عينه، لا يمكن التوقف عن إعادة تحديد، وبدقة، أهداف وتأثيرات هذا النشاط البشري وإطاره وحدوده الأخلاقية، كونه يُشكِل نوعًا من السلطة ذات المخاطر الكبيرة.

132.في هذا الإطار يجب أن يوضع أي تفكير يتناول التدخل البشري في العالم النباتي والحيواني، الذي، في يومنا هذا، يفترض تغيرات جينية تنتجها التكنولوجيا الحيوية، لاستغلال الفرص الموجودة في الواقع المادي. إن الاحترام الذي يكنُّهُ الإيمانُ للعقل يتطلب الانتباه إلى ما يمكن لهذه العلوم البيولوجية، في حال تطورت باستقلال عن المصالح الاقتصادية، أن تعلّمُهُ حول البُنى البيولوجية وإمكانياتها وتغيراتها. بأية حال، شرعي هو التدخل الذي يعمل في الطبيعة “لمساعدتها على التطور وفقًا لمسارها، مسار الخلق، المسار الذي أراده الله”[112].

133.من الصعب إصدار حكم عام على التطورات النباتية الحيوانية المعدلة وراثيًّا، سواء لأغراض طبية أو في مجال الزراعة، إذ انها قد تكون مختلفة جدًا فيما بينها وتقتضي اعتبارات مختلفة. من جهة أخرى، لا تُعزي دائمًا الأخطار للتقنية نفسها، وإنما لتطبيقها غير المناسب أو المفرط. إن التحولات الجينية، في الواقع، قد نتجت وتنتج في الكثير من الأحيان من الطبيعةِ نفسِّها. فحتى تلك التي صنعها الكائن البشري، فهي ليست بظاهرة حديثة. فترويض الحيوانات، وتهجين الأَجْناس، وممارسات أخرى قديمة ومعترف بها عالميًّا، يمكن أن تندرج تحت هذه الاعتبارات. ومن المفيد تذكر أن بداية التطورات العلميّة على الحبوب المعدلة وراثيًّا جاءت نتيجة مراقبة البكتيريا التي تنتج تعديلا في جينوم النبات بشكل طبيعي وعفوي. بيد أن هذا يحدث في الطبيعة بشكل بطيء، ولا يمكن مقارنته بالسرعة المفروضة للتقدم التكنولوجي الحالي، حتى عندما تتم هذه التطورات نتيجة تطور علمي على مدى عدة قرون.

134.حتى ولو كنَّا لا نملك دليلا قاطعًا حول الضرر الذي قد تلحقُه الحبوبُ المعدّلةُ وراثيًّا على الكائنات البشرية، ولو أن استخدامها في بعض المناطق قد أدى إلى نمو اقتصادي قد ساهم في حل بعض المشاكل، إلا أن هناك مشاكل هامة لا يجب التهاون بها. ففي مناطق مختلفة، عقب إدخال هذه المحاصيل، يُلاحظ استحواذ عدد قليل من الأشخاص على الجزء الأكبر من تلك الأراضي المنتجة، نتيجة “للاختفاء التدريجي لصغار المنتجين، الذين بسبب خسارة الأراضي المزروعة يضطرون للانسحاب من الانتاج المباشر” [113]. فيتحوّل الأكثر هشاشة من بين أولئك إلى عمّالٍ مؤقتين، وينتهي الأمر بالكثير من المزارعين الريفيين إلى الهجرة باتجاه أحياء شعبية بائسة في الحضر. ويقضي اتساع مساحة هذه الزراعات على لُحْمَةِ النظم الإيكولوجية المعقدة، ويقلل من التنوّع في الانتاج ويؤثّر على حاضر وأيضًا على مستقبل الاقتصادات الإقليمية. وهناك في بلدان مختلفة مَيّل نحو تنمية احتكار القلة[xiv] في مجال إنتاج البذور والمواد الأخرى الضرورية للزراعة، وتتفاقم التبعية إذا نظرنا إلى إنتاج البذور العقيمة، والتي يضطّر الفلّاحون لشرائها من الشركات المنتجة.

135.بدون شك، هناك حاجة لانتباه مستمر، يحمل على مراعاة جميع الجوانب الأخلاقية المعنية. ومن أجل هذا الغرض ينبغي أن يتوفر هناك نقاش علمي واجتماعي، يكون مسؤولا وشاملا، وقادرًا على تحليل كل المعلومات المتوفّرة وتسمية الأشياء بأسمائها. فأحيانا لا توضع فوق الطاولة المعلومات الوافية، وإنما يتم انتقاؤها بحسب المصالح الشخصية، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو إيديولوجية. وهذا يجعل من الصعب تكوين رأي متوازن ويقظ حول المسائل المختلفة، مع الأخذ بالاعتبار جميع المتغيرات الملائمة. هناك حاجة لتوفير مساحات مناقشة تسمح لكل المعنيين بأن يلتقوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة (مزارعين، مستهلكين، سلطات، علماء، منتجي حبوب، سكان المناطق المجاورة للأراضي المعالجة بالمواد الكيميائية وغيرهم) ليتم عرض مشاكلهم أو الحصول على المعلومات الواسعة والمُوثوقة لكي تُتخذ قرارات تصب في صالح الخير العام الحاضر والمستقبلي. إن مسألة العضويات المعدلة وراثيًّا هي قضية معقدة، وتقتضي معالجتها رؤية شاملة لجميع جوانبها؛ وهذا يتطلب أقلّه جهدًا أكبر لتمويل البحوث المختلفة والمستقلة، ومتعددة التخصصات، والقادرة على تقديم إضاءاتٍ جديدة.

136.من ناحية أخرى، إنه لباعث على القلق أمر بعض الحركات الإيكولوجية التي تدافع عن سلامة البيئة، وبحق تطالب بوضع بعض حدود للبحوث العلمية، بينما لا تطبق أحيانًا تلك المبادئ نفسها على الحياة البشرية. وعادة ما يتم تبرير جميع التجاوزات عند إجراء تجارب على أجنّة بشرية حيّة. وننسى أن قيمة كائن بشري، غير القابلة للمساومة، تتخطى مقدار درجة نموّه. على قدم المساواة، عندما تتنكر التقنية للمبادئ الأخلاقية الكبرى، فهي تنتهي بإضفاء الشرعية على أيّة ممارسة. وكما رأينا في هذا الفصل، يستحيل على التقنية المنفصلة عن المبادئ الأخلاقية أن تضع حدًّا لسلطتها الذاتية.

 

الفصل الرابع

إيكولوجية متكاملة

 

 137.انطلاقًا من أن كلّ شيء مرتبط ارتباطًا وثيقًا، ومن أن المشاكل الحالية تتطلب نظرة تأخذ بعين الاعتبار جميع جوانب الأزمة العالمية، فإني أقترح أن نتوقف الآن للتفكير حول بعض عناصر إيكولوجية متكاملة، تتضمن بوضوح البعد الإنساني والاجتماعي.

 

I. إيكولوجية بيئية واقتصادية واجتماعية

138.تدرس الإيكولوجيةُ العلاقاتِ بين الكائنات الحيّة والبيئةَ التي تنمو فيها. إنها تقتضي أيضًا التوقف للتفكير والتحاور حول ظروف الحياة واستمرار العيش في مجتمع ما، بصدق يسمح لها بإعادة النظر في أنماط التنمية والإنتاج والاستهلاك. ليس من باب الترف الإلحاح مجددًا على واقع أن كل شيء متصل. فالزمان والمكان ليسا مستقلين فيما بينهما ولا يمكن حتى النظر إلى الخلايا ولا إلى الجسيمات دون الذرية بطريقة منفصلة. فكما أن مكونات كوكب الأرض -الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية- هي متصلة ببعضها، هكذا أيضًا تُشكّلُ أصناف الكائنات الحية شبكةً لن ننتهي أبدًا من التعرف عليها وفهمها. فقسمٌ كبيرٌ من معلوماتنا الجينية هو مشترك مع الكثير من الكائنات الحية. لهذا السبب، فإن المعرفة المجزّأة والمعزولة بإمكانها أن تصير شكلا من أشكال الجهل، إذا أبت الاندماج في نظرة أوسع للواقع.

139.عندما نتكلم عن “البيئة الطبيعية” فإننا نشير بالتحديد إلى العلاقة: تلك العلاقة القائمة بين الطبيعة والمجتمع الذي يقطنها. وهذا يمنعنا من اعتبار الطبيعة كشيء منفصل عنا أو كمجرد إطار لحياتنا. إنها تشملنا، ونحن جزء منها، ونحن متشابكون معها. إن أسباب تلوث مكان ما تتطلب تحليلا لكيفية عمل المجتمع واقتصاده وسلوكه، وأساليبه في فهم الواقع. ونظرًا لاتساع نطاق التغييرات فإنه لم يعد ممكنًا إيجاد جواب محدد ومستقل لكل جزء من المشكلة. فمن الأساسي البحث عن حلولٍ متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار تداخل علاقات الأنظمة الطبيعية فيما بينها ومع الأنظمة الاجتماعية. فليس هناك أزمتان منفصلتان، الأولى بيئية والأخرى اجتماعية، وإنما أزمة اجتماعية-بيئية واحدة ومعقدة. إن المبادئ التوجيهية، لإيجاد حلّ، تتطلبُ مقاربةً متكاملةً لمحاربة الفقر، ولإعادة الكرامة للمُنبوذين، وفي الوقتِ نفسه، للمحافظة على الطبيعة.

140.بسبب كمية وتنوع العناصر التي يجب أخذها بعين الاعتبار، عند تحديد التأثيرات البيئية التي يُنتجها النشاط التجاري، يُصبح من الضروري إعطاء الباحثين دورًا بارزًا وتسهيل التفاعل فيما بينهم، مع هامش كبير للحرية الأكاديمية. من المفترض أن تسمح هذه البحوث المستمرة بالوصول كذلك إلى معرفة كيف تتواصل المخلوقات المتنوعة فيما بينها، مُشكّلَةً تلك الوحدة الكبيرة والتي يطلق عليه اليوم اسم “المنظومة الإيكولوجية” (Ecosystema). وهي منظومات لا نهتم بها فقط لنحدد كيفية استخدامها بطريقة عقلانية، وإنما لأنها تملك قيمة ذاتية مستقلة عن هذا الاستخدام. فكما أن كل كيان هو في ذاته صالح وبديع لأنه مخلوق من قبل الله، هكذا هي أيضًا الحال مع كل مجموعة متناغمة من كائنات حية في حيِّزٍ معين، والتي تعمل كنظام. فنحن، حتى وإن لم نكن نعي هذا، فإننا نستند في وجودنا ذاته لتلك المجموعة. من الضروري التذكر أن النُظم الإيكولوجية تتدخل في عزل ثاني أكسيد الكربون، وفي تنقية المياه، وفي مكافحة الأمراض والأوبة، وفي تكوين التربة، وفي تحلل النفايات، وفي الكثير من المجالات الأخرى التي قد ننساها أو نجهلها. فالكثير من الأشخاص، حين يلاحظون ذلك يدركون مجددًا أننا نعيش ونتصرف انطلاقًا من واقع قد أُعطي لنا مسبقًا، واقع يسبق قدراتنا ووجودنا. بالتالي، حين نتكلم عن “الاستخدام المستدام” ينبغي دائمًا أن نرفقه بتفكير حول قدرة كل نظام إيكولوجي على إعادة التجديد لجوانبه ولمجالاته المختلفة.

141.من جهة أخرى، يميل النمو الاقتصادي إلى إنتاج آليات ومماثلة، بهدف تيسير العمليات وخفض التكاليف. لهذا فمن الضروري وجود إيكولوجية اقتصادية، قادرة على إدراج مراعاة الواقع بطريقة أوسع. لأنه، في الواقع، “يجب أن تشكّل حماية البيئة جزءًا لا يتجزأ من عملية التطور، ولا يمكن التعامل معها بشكل معزول”[114]. لكن في الوقت عينه، تغدو راهنة الحاجة الملحة لنزعة الإنسانية، والتي توجه نداءً لشتى مجالات المعرفة المتنوعة، بما في ذلك الاقتصادية، للوصول لرؤية متكاملة ومكملّة. اليوم لا يمكن الفصل بين تحليل المشاكل البيئية وتحليل السياقات البشرية، والعائلية والتشغيلية والحضرية، وبين علاقة كل شخص مع ذاته، والتي تولّد اسلوبًا معينًا في إقامة العلاقات مع الآخرين ومع البيئة. هناك تفاعل بين النُظم الإيكولوجية وبين مختلف العوالم ذات المرجعية الاجتماعية، ويظهر هكذا مرة أخرى أن “الكلّ يفوق الجزء”[115].

142.إن كان كل شيء متصلا، فإن الحالة الصحية لمؤسسات مجتمع ما تنطوي على عواقب تؤثر في البيئة وفي نوعية الحياة البشرية: “فكلُّ إساءةٍ للتضامنِ وللتعايُشِ المتمدِّنِ تلحقُ أضراراً بالبيئةِ”[116]. بهذا المعنى، الإيكولوجية الاجتماعية هي بالضرورة مؤسسيِّة وتصل تدريجيًّا إلى مختلف الأبعاد، لتشمل من الفئة الاجتماعية الأولية، والعائلة، وحتى الحياة الدولية، مرورًا بالجماعات المحلية وبالدولة. ففي داخل كافة المستويات الاجتماعية، وفيما بينها، تتطوّر المؤسسات التي تنظم العلاقات الإنسانية. وأي شيء قد يُلحق بها الأذى، له تأثيراته الضارة، كفقدان الحرية والظلم والعنف. يَحكمُ العديد من البلدان نظام مؤسّساتي هش، على حساب معاناة الشعب ولمصلحة الذين يستفيدون من وضع الأمور هذا. سواء داخل إدارة الدولة، كما في مختلف مناحي تعبيرات المجتمع المدني أو في العلاقات بين السكان، غالبًا ما يتم تسجيل تصرفات خارجة عن القانون. يمكن لهذه القوانين أن تكون قد وضعت بشكل صحيح، ولكنها عادة ما تبقى حبرًا على ورق. ومن ثمَّ، هل يمكننا أن نأمل بأن تكون التشريعات والقوانين المتعلقة بالبيئة فعالة حقًا؟ فنحن نعرف، على سبيل المثال، أن بُلدانًا تملك تشريعات واضحة لحماية الغابات، لا زالت لا تحرك ساكنا أمام الانتهاكات المتكررة لتلك التشريعات ذاتها. فضلا عن ذلك، فإن ما يحدث في منطقة ما يؤثر على باقي المناطق، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فتعاطي المخدرات في المجتمعات الميسورة، مثلا، يولِّد طلبًا ثابتًا أو متزايدًا على المنتجات الواردة من مناطق تمَّ إفقارها، حيث يتم إفساد الأخلاق، وتدمير حياة البعض وينتهي الأمر بتدهور البيئة.

 

II. إيكولوجية ثقافية

143.بالإضافة الى التراث الطبيعي، هناك أيضًا تراث تاريخي وفني وثقافي، مهدد على السواء. إنه جزء لا يتجزأ من هوّية مكان ما وأساس لبناء مدينة صالحة للسكن. إنها ليست مسألة هدم مدن وبناء أخرى جديدة بزعم أنها أكثر إيكولوجيةً، والتي لا توفر دائمًا رغبة العيش بداخلها. من الضروري دمج التاريخ، والثقافة، والهندسة الخاصة بمكان معين، مع الحفاظ على هويته الأصلية. لهذا فالإيكولوجية تفترض أيضًا المحافظة على كنوز الإنسانية الثقافية بكل ما للكلمة من معنى. وبشكل مباشر تتطلب الإيكولوجية إعارة الانتباه إلى الثقافات المحلية حين يتم دراسة مسائل تتعلق بالبيئة، من خلال إقامة حوار بين اللغة التقنية-العلمية واللغة العامية. إنها الثقافة حين تعني، لا فقط معالم الماضي، وإنما وبشكل خاص بمعناها الحي والديناميكي والتشاركي، والذي لا يمكن استبعاده في الوقت الذي يتم فيه إعادة التفكير بعلاقة الكائن البشري بالبيئة.

144.إن الرؤية الاستهلاكية للكائن البشري، والتي تشجعها تدخلات آليات الاقتصاد الحالي المعوّلمة، تميل إلى صهر الثقافات في بوتقة واحدة وبالتالي إضعاف التنوع الثقافي الهائل، والذي يشكل ثروة للإنسانية. لهذا السبب، فإن الادعاء بحل جميع الصعوبات بواسطة معايّير موحدة أو تدخلات تقنية، يقود إلى إغفال تعقيدات القضايا المحلية، والتي تتطلب المشاركة الفعّالة للسكان. لا يمكن إدماج المشاريع الجديدة، قيد التحضير، دائمًا داخل نماذج قد وُضِعَت من الخارج، بل يجب أن تنطلق من الثقافة المحلية نفسِّها. فكما أن الحياة والعالم هما في حالة دينامية، فإن طريقتنا بالمحافظة على العالم يجب أن تكون مرنة ودينامية. إن الحلول التقنية البحتة هي معرضة لخطر الاهتمام بالأعراض التي لا تعكس القضايا الأكثر عمقًا. من الضروري تَبَنِّي تطلعات حقوق الشعوب والثقافات، ومن ثمَّ إدراك أن تطور مجموعة اجتماعية يفترض عملية تاريخية، تتم داخل سياق ثقافي معين، ويتطلب حرص الجهات الاجتماعية المحلية الفعّالة بالانطلاق من ثقافتهم الخاصة. فحتى مفهوم نوعية الحياة لا يمكن فرضه، وإنما يجب فهمه داخل عالم الرموز والعادات الخاصة بكل مجموعة بشرية.

145.بإمكان العديد من أشكال الاستغلال المركّزة وتدهور البيئة أن تستنفذ ليس فقط مصادر العيشة المحلية، وإنما أيضًا تلك الموارد الاجتماعية التي سمحت بقيام نمط تعايش قد أعطى، ولمدة طويلة، هويةً ثقافيةً ومعنى للوجود وللعيش معًا. إن زوال ثقافة ما، يمكن أن يكون خطيرًا، بقدر خطورة انقراض صنف حيواني أو نباتي بل وحتى أكثر خطورة. ففرض نمطٍ مُهيمِن من الحياة، مرتبط بأسلوب إنتاج ما، يمكن أن يكون مضرًّا جدًا بنفس مقدار الضرر الذي يسببه تغيير النظم الإيكولوجية.

146.بهذا المعنى، فمن الضروري إعارة اهتمام خاص لجماعات السكان الأصليين ولعاداتهم الثقافية. فهم ليسوا أقلية بسيطة بين غيرها من الأقليات، وإنما يجب أن يصبحوا الشركاء الرئيسيين، وبالأخص حين نطوِّر مشاريع كبيرة ستؤثر على أراضيهم. لأن الأرض، بالنسبة لهم، في الواقع، ليست مجرد ملكًا اقتصاديًّا، وإنما عطية من الله ومن أسلافهم الذين يرقدون فيها، إنها مكان مقدس يشعرون بالحاجة إلى التفاعل معه من أجل صون هويتهم وقيمهم. إنهم حين يبقون في أراضيهم، يكونون هم بالتحديد القادرين على المحافظة عليها أكثر من غيرهم. ولكنهم، في مناطق عدة من الكون، يخضعون لضغوط كي يهجروا أرضهم ليفسحوا المجال لمشاريع استخراجية وزراعية أو لتربية الماشية لا تُعير اهتمامًا لمسألة تدهور الطبيعة والثقافة.

 

III. إيكولوجية الحياة اليومية

147.كي يمكننا التحدث عن تنمية أصيلة، يجب التأكد من أنها تُنتج تحسُّنًا شاملا لنوعية الحياة البشرية، وهذا يعني دراسة الحيِّز الذي يعيش فيه الأشخاص. فالبيئة التي تحيط بنا تؤثر على نظرتنا للحياة، وعلى إحساسنا وعلى تصرفاتنا. إننا، في نفس الوقت، في غرفتنا، وفي بيتنا، وفي مكان عملنا وفي حيِّنا، نستخدم البيئة للتعبير عن هويتنا. ونجتهد في التأقلم مع البيئة، وعندما تكون غير منظمة وفوضوية أو مشبعة بالتلوث البصري أو السمعي، فإن تدافع الحوافز يضعنا في تحدي محاولة بناء هوية متأقلمة وسعيدة.

148.إنه لمثيرٌ للإعجاب، إبداع وسخاء الأشخاص والجماعات القادرة على تخطي الحدود البيئة، بتغيير النتائج السلبية للتأثيرات، وتعلم توجيه حياتهم وسط الفوضى وعدم الاستقرار المحيط بهم. على سبيل المثال، في بعض الأماكن، حيث تعاني واجهات المباني من حالة متردية للغاية، هناك أناس يعتنون بكل كرامة بداخل مساكنهم أو ويشعرون بالراحة بسبب مودة الآخرين وصداقتهم. إن الحياة الاجتماعية الإيجابية والملائمة للسكّان تنشر نورًا في بيئة قد يبدو للوهلة الأولى غير منظور. غالبا ما تستحق الإطراء الإيكولوجية الإنسانية التي يتمكن الفقراء من تنميتها وسط العديد من القيود. إن الشعور بالاختناق الذي يولده اكتظاظ المساكن والمساحات ذات الكثافة السكانية العالية، يتم تعويضه إذا ما تم بناء علاقات إنسانية تتميز بقربها وحرارتها، وإذا ما تم تشكيل جماعات، وإذا ما تم استبدال الحدود البيئية الباطنية في كل شخص، يشعر بنفسه مدرجًا داخل شبكة شراكة وانتماء. بهذه الطريقة، لن يكون أي مكان بعد جحيمًا بل يصبح إطارًا لحياة كريمة.

149.من المؤكد أيضًا أن الحاجة الشديدة الموجودة في بعض البيئات التي تعاني من نقص في التناغم وفي المساحات وفي إمكانيات الاندماج، تُسهّل صدور تصرفات غير إنسانية واستغلال الأشخاص من قبل منظمات إجرامية. فبالنسبة لسكان الضواحي شديدة الفقر، فإن خبرة التنقل اليومي من الازدحام إلى الغفلية الاجتماعية، التي يختبرها المرء في المدن الكبيرة، قد يسبب شعورًا بالاغتراب، ربما يعزز بدوره التصرفات المعادية للمجتمع والعنيفة. بيد أني أريد الاصرار على أن الحب يبقى أقوى. فالعديد من الأشخاص، في هذه الظروف، يبقون قادرين على إقامة روابط انتماء وتعايش، تُحوّل الازدحامَ إلى خبرةٍ جماعيةٍ تنهارُ داخلها جدرانُ الـ”أنا” ويتم تخطي حواجز الانانية. فخبرة الخلاص الجماعي هذه، هي التي غالبا ما تحفز ردود فعل خلاقة لإصلاح مبنى أو حي[117].

150.بالنظر إلى الترابط العلاقتي بين المساحات الحضرية والسلوك البشري، يحتاج أولئك الذين يقومون بالتخطيط لتشييد مبانٍ وأحياء وأماكن عامة ومدن، إلى مساهمة التخصصات المختلفة التي تسمح بفهم التطورات والرمزية وتصرفات الأشخاص. لا يكفي البحث عن الجمال الهندسي وحسب، لأنه من الأكثر قيمة خدمة نوع آخر من الجمال، مثل: نوعيِّة حياة الأشخاص، وتناغمهم مع البيئة، واللقاء والمساعدة المتبادلة. لهذا السبب أيضًا فإنه من المهم للغاية الأخذ بوجهة نظر المواطنين والتي تساهم على الدوام في إتمام دراسة التخطيط العمراني.

151.من الضروري الاعتناء بالأماكن العامة، وبالمعالم البصرية والمناظر الطبيعية في المناطق الحضرية، لأنها تنمّي فينا حس الانتماء، وشعورنا بالتجذر، وشعورنا داخل المدينة التي تأوينا وتوحدنا “بأننا في بيتنا“. من المهم أن تكون الأجزاء المختلفة للمدينة متكاملة جيدًا وأن يكون باستطاعة السكان التمتع بنظرة شاملة، بدلا من انغلاق البعض داخل حيٍّ ما، حارمين أنفسهم من عيش حياة المدينة بأكملها كمساحة يتقاسمونها مع الآخرين. إن أي تدخل في المشهد الحضري أو الريفي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كيف أن عناصر المكان المختلفة تشكل في مجملها كُلا يفهمه السكان كإطار متناسق، بكل ما في المعنى من غنى. بهذه الطريقة لا يصبح الآخرون غرباءَ بل وينظر إليهم باعتبارهم جزءًا من الـ”نحن” الذي نبنيه سويًّا. لهذا السبب بالذات، سواء في البيئة الحضرية كما في الريفية، فمن المناسب الحفاظ على بعض المساحات التي يمنع فيها أي تدخلات بشرية يمكنها أن تغيرها باستمرار.

152.يشكل النقص في المنازل السكنية مشكلة خطيرة في مناطق عديدة من العالم، سواء في الأحياء الريفية أم في المدن الكبيرة، لأن ميزانيات الدول عادة ما تلبي جزءًا صغيرًا من الطلب. لكن القسم الأكبر من المجتمع، وليس فقط الفقراء، يواجه صعوبات جدية في الحصول على مسكن خاص. إن امتلاك مسكن هو أمر ذو أهمية كبيرة لكرامة الأشخاص ولنمو العائلات. يتعلق الأمر هنا بمسألة مركزية بالنسبة “للإيكولوجية الإنسانية”. فإن تم بناء تكتلات عشوائية من المنازل الفقيرة في مكان معين، فهذا يقتضي قبل كل شيء ضرورة تطوير تلك الأحياء وليس احتثاث وطرد سكانها. فحين يعيش الفقراء في ضواحي ملوثة أو في تجمعات خطيرة يجب، “في حالة الإقدام على ترحيلهم ولتجنب مضاعفة معاناتهم، توفير معلومات كافية مسبقة لهم، وتقديم بدائل سكانية لائقة وإشراك المعنيين مباشرة”[118]. في الوقت عينه، على الإبداع أن يقودَ الأحياء المحرومة إلى الاندماج داخل مدينة تستقبلهم برحابة. “يا لجمالِ المدن التي تتجاوز الريبة الفاسدة وتدمج من هم مختلفون وتجعل من ذلك الاندماج عامل تطور جديدًا! يا لجمال المدن التي، حتى في هندستها، تضم مساحات تجمع وتتيح التواصل وتعزز الاعتراف بالآخر!”[119].

153.إن نوعية الحياة في المدن ترتبط بشكل كبير بوسائل النقل، والتي تتسبب غالبًا بمعاناة كبيرة للسكان. في المدن، يتنقل عدد كبير من المركبات التي تقل شخصًا أو شخصين، مما يتسبب في تكثيف حركة السير، وزيادة مستوى التلوث، واستهلاك كميات هائلة من الطاقة غير المتجددة، وتبرز ضرورة بناء طرق أخرى ومواقف سيارات، تلحق الضرر بالنسيج العمراني. وهناك إجماع من قبل الكثير من الإخصائيين على ضرورة إعطاء الأولوية لوسائل النقل العام. بيد أن بعضَ التدابير اللازمة تُستقبل بصعوبة شديدة من قبل المجتمع، دون إصلاحات ملموسة في وسائل النقل، التي، في الكثير من المدن، تفضي بامتهان كرامة الناس، بسبب الاكتظاظ، والمضايقات، والنقص في معدل الخدمات المتوفرة، وعدم الأمان.

154.إن الاعتراف بكرامة الكائن البشري الفريدة غالبًا ما يتناقض مع عيش الحياة الفوضوية التي يضطر لعيشها الأشخاص في مدننا. لكن هذا لا يجب أن يحول دون اهتمامنا بحالة الإهمال والنسيان التي يعاني منها بعض سكان مناطق الريف، حيث لا تصلهم الخدمات الأساسية، وحيث يوجد عُمّال يتم الزج بهم في أعمال السخرة كعبيد، دون أي حقوق أو توقعات لحياة أكثر كرامة.

155.إن الإيكولوجية الإنسانية تفرض أيضًا أمرًا بغاية العمق: علاقة حياة الكائن البشري مع الشريعة الأخلاقية المحفورة في طبيعته الخاصة، علاقة لا غنى عنها لخلق بيئة أكثر كرامة. أكدَّ بندكتس السادس عشر على وجود “إيكولوجية الإنسان” لأن “الإنسان أيضًا يملك طبيعة عليه أن يحترمها، ولا يستطيع التلاعب بها كما يشاء”[120]. في هذا المنحى، يجب الاعتراف بأن جسدنا الخاص يضعنا في علاقة مباشرة بالطبيعة ومع بقية الكائنات الحية. فمن الضروري قبول الجسد الخاص كهبة من لدن الله لاستقبال وقبول العالم بأسره كهبة من الآب وكبيت مشترك؛ في حين أن منطق الهيمنة على الجسد الخاص يتحول أحيانا إلى منطق بارع للهيمنة على الخلق. إن تعلم المرء لكيفية قبول جسده الخاص والاعتناء به واحترام معانيه هو أمر أساسي لإيكولوجية إنسانية حقيقية. فتقييم الجسد أيضًا، بأنوثته أو وبذكوريته، هو ضروري كي يتمكن المرء من معرفة ذاته، في اللقاء مع من هو مختلف عنه. بهذه الطريقة يصير من الممكن أن نقبل بفرح هبة الآخر الخاصة، عمل الله الخالق، رجلا كان أم امرأة، وأن نثري بعضنا البعض. وبالتالي، ليس بسليمٍ ذاك الموقف الذي يزعم “محو الاختلاف الجنسي لأنه لا يعرف مواجهته”[121].

 

IV. مبدأ الخير العام

156.لا يمكن الفصل بين الإيكولوجية الإنسانية ومفهوم الخير العام، مبدأ يلعب دورًا محوريًّا ومُوَحِّدًا في الأخلاقية الاجتماعية. لأن “كافة الأوضاع والظروف الاجتماعية هي التي تسمحُ للجماعات، كما لكلّ فرد من أفرادها، ببلوغ الكمال بطريقةٍ أكثر شمولاً ويُسرًا”[122].

157.يفترضُ الخير العام احترامَ الشخص الإنساني لكونه شخصًا، ذا حقوق أساسية غير قابلة للمساومة، وضعت لنموه الشامل. يتطلب أيضًا توفر مقومات الرخاء والأمن الاجتماعي وازدهار الجماعات الوسطيّة المختلفة، وتطبيق مبدأ الاحتياط[xv]. من بين تلك المقومات تظهر العائلة، كخلية أساسية للمجتمع. وأخيرًا، يتطلب الخير العام السلام الاجتماعي، الذي يعني استقرار وأمن نظام محدد، والذي لا يتحقق دون حرص خاص على العدالة التوزيعية، والتي إذا انتُهِكَت تولِّد دائمًا العنف. إنه من واجب كل المجتمع –وبالأخص الدولة– الدفاع عن الخير العام وتعزيزه.

158.في الأوضاع الحالية للمجتمع العالمي، حيث الكثير من عدم المساواة، وحيث يزداد عدد الأشخاص المنبوذين، المهمَّشين، والذين يتم تجاهلهما، والمحرومين من الحقوق الإنسانية الأساسية، ويتحول مبدأ الخير العام حالا، كنتيجة منطقية وحتمية، إلى مناشدة للتضامن وإلى خيار تفضيلي للأكثر فقرًا. إن هذا الخيار، والذي يتطلب استنباط النتائج من التوزيع المشترك لخيرات الأرض، ولكنه – كما حاولت التعبير عنه في الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل[123] – يتطلب قبل كل شيء الأخذ بعين الاعتبار كرامة الفقير العظيمة، على ضوء قناعات الإيمان الأكثر عمقا. يكفي مجرد النظر للواقع كي نفهم أن هذا الخيار هو الآن شرط أخلاقي من أجل التحقيق الفعلي للخير العام.

 

V. العدالة بين الأجيال

159.إن مفهوم الخير العام يشمل أيضًا الأجيال الآتية. وقد أظهرت الأزماتُ الاقتصادية العالمية، وبطريقة فجّة، الأضرارَ التي يسببها عدم الاعتراف بمصير مشترك، مصير لا يمكن أن نَقصِي عنه أولئك الذين سيأتون بعدنا. إننا لا نستطيع التكلّم بعد عن تنمية مستدامة دون التّضامن ما بين الأجيال. فعندما نفكّر في الحالة التي سنترك فيها كوكب الأرض للأجيال الآتية، فنحن ندخل في منطق آخر، منطق العطاء المجاني الذي نتلقاه ونعطيه. فإن كانت الأرض قد أُعطِيَت لنا، فلا يمكننا التفكير فقط انطلاقًا من معيارٍ نفعيٍّ يقوم على الفعّالية والإنتاجيّة من أجل الربح الشخصيّ. إننا لا نتكلّم هنا عن موقف اختياريّ، وإنما عن مسألة عدالة جوهرية، انطلاقًا من أن الأرض التي قد أُعطيت لنا، هي أيضًا مِلّكٌ للذين سيأتون بعدنا. وقد حثّ أساقفة البرتغال على تحمّل مسؤوليّة واجب العدالة هذا: “تنتمي البيئة إلى منطق الاستقبال. إنه قرض يتلقّاه كلّ جيل وعليه أن يسلّمه إلى الجيل التالي”[124]. إن إيكولوجية متكاملة تملك هذه الرؤية الواسعة.

160.أي نوع من العالم نريد تركه للذين سيأتون من بعدنا، للأطفال الذين يكبرون؟ إن هذا السؤال لا يخصّ البيئةَ فقط بطريقةٍ معزولة، لأنه لا يمكن طرح المسألة بطريقة مجزأة. فعندما نتساءل حول العالم الذي نريد تركه، فنحن نشير قبل كل شيء إلى توجّه العالم الشامل، وإلى معناه، وإلى قيَّمِه. إن لم يتجاوب بداخلنا صدى هذا السؤال الأساسي، فلا أعتقد أن مخاوفنا البيئية سيكون لها تأثيرات هامة. لكن إذا طُرِحَ هذا السؤال بشجاعة، فإنه سيحملنا حتما لطرح أسئلة أخرى بطريقة مباشرة جدًّا: ما الغاية من مرورنا بهذا العالم؟ ولأي هدف جئنا إلى الحياة؟ ولماذا نعمل ونجاهد؟ ولماذا تحتاج إلينا هذه الأرض؟ لهذا، لم يعد كافيًا التأكيد بأن علينا أن نقلق من أجل الأجيال الآتية. من الضروري أن نعي أن ما يتعرض للخطر هو كرامتنا بالذات. فنحن أنفسنا أول المنتفعين من ترك كوكب صالح للسكن للبشرية التي ستخلفنا. إنها مأساة تمسنا نحن أنفسنا، لأنها تمس معنى مرورِنا على هذه الأرض.

161.لا يمكن النظر بعد الآن إلى التوقعات الكارثية باستهزاء وتهكم. فقد نترك للأجيال الآتية الكثير من الحطام والصحاري والقذارة. لقد تخطى معدّلُ الاستهلاك، والهدر والتغيير البيئي، إمكانيات الكوكب، بحيث، إذا استمر نمط الحياة الحالي على منواله، فسوف ينتهي فقط بكوارث، كما يحدث دوريًّا في مناطق مختلفة. يعتمد التخفيف من تأثيرات الاختلال الحالي على ما نقوم به الآن، وبالأخص إذا ما فَكَّرنا في المسؤولية التي سيُحَمِّلُنا إيّاها الذين سوف يضطرون إلى تحمُّل العواقب الأسوأ.

162.إن صعوبة أخذ هذا التحدي على محمل الجد لها علاقة بتدهور أخلاقي وثقافي، يرافق التدهور الإيكولوجي. إن إنسان ما بعد الحداثة، رجلا وامرأة، معرض لخطر أن يصبح انفراديًّا للغاية، فهناك الكثير من المشاكل الاجتماعية الحالية يجب ربطهما بسياق البحث الأناني عن إشباع فوري، وبأزمات العلاقات العائلية والاجتماعية، وصعوبات الاعتراف بالآخر. فمرات كثيرة نجد أنفسنا أمام استهلاك مسرف وقصير النظر من قبل الوالدين الذين يفسدون أبناءَهم. هؤلاء الأبناء الذين يجدون صعوبة متزايدة في الحصول على بيت خاص بهم وتأسيس عائلة. فضلا عن ذلك، ترتبط عدم قدرتنا على التفكير بجدية بالأجيال الآتية بعدم قدرتنا على توسيع نطاق مصالحنا الحالية، والتفكير في أولئك الذين لا يزالون مستبعدين من التنمية. دعونا ألا نفكر فقط بفقراء الغد، يكفي أن نتذكر فقراء اليوم، الذين لديهم القليل من السنين ليعيشوها على هذه الأرض، ولا يمكنهم الاستمرار بالعيش فقط في حالة انتظار. لهذا السبب “إلى جانب التضامن الصادق ما بين الأجيال، لا بد من تأكيد الضرورة الأدبية الملحة لتضامن متجدد داخل الأجيال نفسها”[125].

 

 

الفصل الخامس

بعض الإرشادات للتوجيه وللعمل

 

 163. قد حاولتُ تحليلَ وضعَ البشرية الحالي، سواءً من حيث تصدعات الكوكب الذي نقطنه أو من حيث المسبّبات البشريّة البحتة للتدهور البيئيّ. إن هذا التأمل بالواقع يشير بحد ذاته إلى ضرورة تحوّل في المسار ويقترح علينا بعض التحركات، لنحاول الآن رسم خطوط عريضة للحوار، تساعدنا على الخروج من دوامة التدمير الذاتي التي نغوص فيها.

 

I. الحوار حول البيئة في السياسة الدولية

164.لقد نشأ منذ أواسط القرن الماضي، بعد التغلب على الكثير من الصعوبات، ميّلٌ متزايد نحو استيعاب الأرض وكأنها وطن، والإنسانية كشّعب يسكن بيتًا مشتركًا. العالم المترابط لا يعني فقط مجرّد أن نفهم بأن العواقب الضارة الناجمة عن أنماط حياة وإنتاج واستهلاك تصيب الجميع، وإنما يحثّنا قبل كل شيء على وضع حلول تنطلق من منظورٍ شامل وليس فقط دفاعًا عن مصالح بعض البلدان. إن هذا الترابط يُلزمنا بالتفكير بأننا في عالمٍ واحد، وفي مشروعٍ مشترك. بيد أن العبقرية نفسّها التي أنتجت تطورًا تكنولوجيًّا هائلا، تبدو غير قادرة على وضع أشكال فعّالة لإدارة دوليّة قادرة على حلّ المصاعب البيئيّة والاجتماعيّة الخطيرة. من الضروري لمواجهة المشاكل بطريقة جذرية، والتي لا يمكن حلّها عن طريق قوانين بلدان منفردة، التوصّل إلى إجماع عالميّ يقود، على سبيل المثال، إلى وضع برامج زراعة مستدامة ومتنوعة، وإلى تنمية أشكال من الطاقة المتجددة وقليلة التلويث، وإلى تشجيع زيادة كفاءة استخدام الطاقة، وإلى تدعيم إدارة أفضل للموارد الحرجيّة والبحرية، وإلى تأمين المياه الصالحة للشرب للجميع.

165. نعلم أنه يجب استبدال التقنيّات القائمة على احتراق الوقود الأحفوري الملوث جدًا – بالأخص الفحم وكذلك النفط، وبشكل أقل ضررا الغاز – بطريقة تدريجيّة ودون تأخير. وطالما أنه لن يكون هناك تطوير للطاقات المتجددة، وهو ما يجب أن يكون قد بدأ بالفعل، فمن المقبول اختيار أهون الشرّين أو البحث عن حلول انتقاليّة. إلا أن المجتمع الدولي حتى الآن لم يتوصّل إلى اتفاقيّات ملائمة حول مسؤولية أولئك الذين يجب أن يتحمّلوا التكاليف الأعلى لعملية استبدال الطاقة. وقد اسفرت المسألةُ البيئيّةُ، في العقود الماضية، عن نقاش عام قد أعطى في المجتمعات المدنية مساحات أوسع للعديد من الالتزامات، ومن التفاني السخي. بيد أن جواب السياسة والصناعة بطيء ولا يتناسب مع مستوى التحدي العالمي. بهذا المعنى، يمكن القول بأنه، في حين أن إنسان ما بعد عصر الصناعة سيُذكَر ربمَّا بأنه كان الأكثر تميزًا بعدم المسؤولية، على مدى التاريخ، فإننا نأمل أن يتذكر التاريخ إنسان مطلع القرن الحادي والعشرين كونه تحمّل بسخاء مسؤولياته الجسام.

166. قد قطعت الحركةُ البيئيةُ في جميع أنحاء العالم شوطًا كبيرًا، أَثرتها خلاله جهودُ العديدِ من منظّمات المجتمع المدنيّ. سيكون من الصعب هنا أن نذكرها جميعًا أو أن نعرض تاريخ مساهماتها. لكن، وبفضل الالتزام الكبير، أصبحت المسائل البيئيّة حاضرة على جداول الأعمال العامة بشكل متزايد، وتحوّلت إلى دعوة مستمرّة لتفكير بعيد المدى. بيد أن القمم العالميّة حول البيئة في السنين الأخيرة لم ترقَ لمستوى التوقعات، ولغياب القرار السياسي، لم يتم التوصّل إلى اتفاقيات بيئيّة عالميّة مهمّة وفعّالة حقّا.

167.تجدر الإشارة هنا إلى المؤتمر الذي عُقِدَ في ريو دي جنيرو سنة 1992. وقد صدر عنه أن “البشر هم محور الاهتمامات المتعلقة بالتنمية المستدامة”[126]. وقد أُقرَّ كذلك – للاستشهاد من بعض محتويات بيان مؤتمر ستوكهولم (1972) – التعاون الدوليّ للعناية بالنظام الإيكولوجي للأرض بأكملها، والتزام كل مَنْ يتسبب في التلوّث، بتحمّل التكاليف الاقتصادية الناتجة عنه، وواجب تقيِّيم التأثيرات البيئيّة لكلِّ عمل أو مشروع. كما اقترحَ العمل على الحدّ من تراكم الغازات المسببة في الاحتباس الحراريّ في طبقات الجوّ، بهدف التصدّي للاحترار العالمي. كما وضع جدول أعمال مع برنامج عمل ووثيقة تتناول التنوّع البيولوجيّ، وأعلن عن مبادئ متعلقّة بالغابات. وعلى الرّغم من أن المؤتمر قد مثَّل خطوة إلى الأمام، وكان حقًّا مبدعًا ونبويًّا في تلك الفترة من الزمن، إلا أنه قد تم تنفيذ القليل من الاتفاقيات، وذلك لأنه لم يتم وضع آليات مناسبة للرقابة، وللمراجعة الدورية وللمعاقبة في حال عدم الامتثال. ولا تزال المبادئ التي أصدرها تنتظرُ وسائل تنفيذٍ عملّية فعّالة ومرنة.

168. من بين الخبرات الإيجابية يمكن الإشارة، على سبيل المثال، لاتفاقية بازل (Basilea) حول مراقبة حركات نقل نفايات الخطرة والتخلص منها، مع نظام تبليغ، ومعايير تنظيمية وضوابط تابع له؛ وكذلك للاتفاقية المُلزِمَة بشأن التجارة الدولية المتعلقة بأنواع الحيوانات والنباتات البرّية المهدّدة بالانقراض، والتي تتضمّن بعثات للتحقق من التنفيذ الفعليّ للقوانين. وبفضل اتفاقيّة فيينّا لحماية الأوزون، ولتطبيقها عبر برتوكول مونتريال وتعديلاتها، يبدو أن مشكلة تقلص طبقة الأوزون هذه قد بدأت تدخل مرحلة الحل.

169. وفيما يتعلق برعاية التنوّع البيولوجي والتصحّر، فإن التّقدم نحو إيجاد حلول كان قليل الأهمية. أما بخصوص التغيّر المناخي، فالتقدّم كان للأسف ضئيلا جدا. إن الحدّ من الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري يتطلّب صدقًا وشجاعةً ومسؤوليةً، وبالأخص من قِبَل البلدان الأكثر قدرة والأكثر تسببا في التلوث. أما مؤتمر الأمم المتحدة حول التنمية المستدامة، المُسَمّى ريو+20 (ريو دي جانيرو 2012)، فقد أصدر بيانًا نهائيًّا مسهبًا في محتواها وفي عدم جدوها. فالمفاوضات الدولية لا تستطيعُ إحرازَ تقدّم ملحوظ بسبب مواقف البلدان التي تضع مصالحها الوطنية الخاصة فوق مصالح الخير العام العالمي. أمَّا أولئك الذين سيعانون من هذه العواقب التي نحاول إخفاءها، سيتذكّرون هذا النقص في الوعي وفي المسؤولية. وقد بلغ النقاش مستوى مرتفعًا من الحدّة، أثناء إعداد هذه الرسالة العامة. لهذا، نحن المؤمنين، لا نستطيع إلا أن نتضرّع إلى الله من أجل حسن سير هذه المناقشات الحالية، لكيلا تعاني الأجيال الآتية من عواقب هذه التأخيرات غير الحصيفة.

170. إن بعض الاستراتيجيات التي تهدف إلى تخفيض انبعاث الغازات الملوثة تسعى إلى تدويل التكاليف البيئيّة، مع خطر فرض التزامات ثقيلة لتخفيض الانبعاثات، على البلدان ذات الموارد القليلة، مقارنة مع ما يُطلب من البلدان الصناعية. إن فرض هذه التدابير يصيب بالشلل تلك البلدان النامية التي هي في أشدّ الحاجة إلى التنمية. وبهذه الطريقة يضاف ظلم جديد تحت غطاء العناية بالبيئة. في هذه الحالة أيضًا تزداد الحالة سوءًا. وبما أن تأثيرات التغييرات المناخيّة تكون ملموسة بعد زمن غير وجيز، وحتى إن اتُخِذَت الآن تدابير حازمة، فسوف تحتاج بعض البلدان ذات الموارد النادرة إلى المساعدة، من أجل التكيّف مع التأثيرات التي تنتجها الآن والتي تضر باقتصادها. يبقى أكيدًا أن هناك مسؤوليّات مشتركة، ولكنها متباينة، لأن وببساطة، كما أكد أساقفة بوليفيا: “الدول التي استفادت من امتلاك مستويات عالية من التصنيع، على حساب إنتاج انبعاثات هائلة من الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري، هي الدول التي لديها مسؤولية أكبر في الإسهام في توفير حلّ للمشاكل التي تسببت بها”[127].

171.إن استراتيجية بيع وشراء “أرصدة الانبعاثات” قد تفسح المجال لنوع جديد من المضاربة، ولن تساعد في تخفيض الانبعاث العام للغازات الملوّثة. يبدو هذا النّظام وكأنه يوفّر حلًّا سريعًا وسهلًا، تحت ستارِ بعض الالتزام الظاهري بالمحافظة على البيئة، ولكنه لا يفرض، بأيّ حالٍ من الأحوال، تغييرًا جذريًّا على مستوى الظروف الراهنة. على العكس، يمكنه أن يصبح وسيلة للتحايل، من شأنها دعم الاستهلاك المفرط لبعض البلدان والقطاعات.

172. يجب أن توجه أولويات البلدان الفقيرة لاستئصال البؤس وللتنمية الاجتماعية لسكّانها؛ وفي ذات الوقت عليها دراسة المستوى الاستهلاكي المُشين لبعض قطاعات شعوبها المميّزة، والتصدي للفساد بشكل أفضل. يجب عليها أيضًا تطوير سبل لإنتاج طاقة تكون أقل تلويثًا للبيئة، وهي تحتاج في هذا الصدد، إلى مساعدة الدول التي شهدت نموًا كبيرًا كان ثمنه التلوّث الحاليّ للكوكب. يتطلب الاستثمار المباشر للطاقة الشمسيّة الغزيرة إرساء آليّات وإعانات تسمح للبلدان النامية بالحصول على نقل التكنولوجيا، والمساعدة التقنيّة، والموارد الماليّة، مع مراعاة مستمّرة للأوضاع الواقعية، حيث أنه “لا يتم دائما وضع تقييم كافٍ للتوفيق ما بين البُنى التحتيّة والسّياق الذي صُمِّمَت من أجله”[128]. ستُعتَبَر التكاليف دائما منخفضة إذا ما قورنت مع خطر التغييرات المناخية. إن الأمر هو، قبل كل شيء، قرار أخلاقيّ، يقوم على تضامن جميع شعوب.

173.هناك حاجة لعقد اتفاقيات دوليّة تُوضَع قيد التنفيذ، وتأخذ بعين الاعتبار عدم قدرة السلطات المحلّية على التدّخل بطريقة فعّالة. ويجب على العلاقات ما بين البلدان أن تراعي سيادة كلّ منها، ولكن يجب أيضًا ترسيخ مسارات توافقيّة لتجنّب كوارث محلّية تؤدّي في النهاية إلى إلحاق الضرر بالجميع. هناك حاجة أيضًا لأُطرٍ تنظيميّةٍ عالمية تَفرِضُ التزاماتٍ، وتَحولُ دونَ الإجراءات غير المقبولة، على غرار ما تفعله الدول القويّة للتخلص من فضلات وصناعات عالية التلوث عن طريق نقلها إلى بلدان أخرى.

174.نذكر أيضًا نظام إدارة المحيطات. لأنه برغم وجود اتفاقيّات دوليّة وإقليميّة، إلا أن بعثرة وغياب آليّات صارمة للتّنظيم، والضبط والمعاقبة، يقود بالنهاية إلى إفشال كلّ الجهود. إن مشكلة النفايات البحرّية المتفاقمة وحماية المناطق البحرّية الواقعة خارج الحدود الوطنيّة لا تزال تشكّل تحدّيًّا خاصًّا. في النهاية نحن بحاجة للاتفاق حول أنظمة إدارة، لكل الأمور التي يُطلق عليها الخيرات المشتركة الشاملة.

175.إن المنطق نفسه الذي يجعل من الصعب اتّخاذ قرارات جذريّة للتصدي لظاهرة الاحتباس الحراريّ، هو الذي يمنع أيضًا من تحقيق هدف استئصال الفقر. إننا بحاجة إلى ردّة فعل عالميّة أكثر مسؤوليّة تتضمّن، في الوقت ذاته، مواجهة مسألة خفض التلوث ومسألة تنمية البلدان والمناطق الفقيرة. فبينما القرن الواحد والعشرون يُبقي على نظام إدارة عتيق يعود للماضي، فإنه يشهد تَرَدِّيا في سلطاتِ الدولِ الوطنيّة، وبالأخص لأن البعد الاقتصادي-المالي، ببعده متعدد الجنسيات، يميل إلى الهيمنة على السّياسة. في هذا السّياق، يصبح من الضروريّ إقامة هيئات دوليّة أكثر قوة ومنظمة بطريقة فعّالة، تمتلك سلطات محددة بشكل مُنصف من خلال الاتفاق ما بين الحكومات الوطنية، ومتمتعة بسلطة فرض عقوبات. وكما أكد بندكتُس السادس عشر، في ذات التوجه الذي قد طوَّرته العقيدة الاجتماعية للكنيسة، أن “هناك حاجة عاجلة لسُلطةٍ سياسيةٍ عالميةٍ، كتلكَ التي رسمَ خطوطَها الأولى سلفي [القديس] يوحنا الثالثُ والعشرون، وذلك من أجلِ قيادةِ ‏الإقتصادِ العالميّ؛ وإعادةِ تأهيلِ الإقتصاداتِ المتأثِّرة بالأزمَةِ، لمنعِ تفاقُمِها وتفاقُمِ ما يترتَّبُ عليها من خلَلٍ؛ ولتحقيقِ نزعِ سلاحٍ تامٍّ ومُلائمٍ ‏والأمنِ الغذائي والسلامِ؛ ولضمانِ حمايةِ البيئةِ وتنظيمِ تدفقاتِ الهجرة”[129]. ولهذا الغرض، تكتسب الدبلوماسية أهمية غير مسبوقة، بهدف تعزيز استراتيجيّات دوليّة تستبق الأزمات الأكثر خطورة والتي قد تنتهي دائمًا بإلحاق الضرر بالجميع.

 

II. الحوار من أجل سياسات وطنية ومحلّية جديدة

176.لا يوجد فقط رابحون وخاسرون ما بين الدول، بل وأيضًا ما بين البلدان الفقيرة، حيث ينبغي تحديد المسؤوليات المختلفة. لهذا السبب، فإنه لم يعد من الممكن تحديد المشاكل المرتبطة بالبيئة وبالنمو الاقتصادي فقط انطلاقًا من الاختلاف ما بين البلدان، وإنما يتطلب التركيز على السياسات الوطنية والمحلية.

177.أمام إمكانية استعمال القدرات البشرية بطريقة غير مسؤولة، هناك مهام ملزمة على كل دولة اتخاذها داخل حدود أراضيها كوضع الخطط، والتنسيق، والسهر وفرض العقوبات. فبأية طريقة ينظم المجتمع مستقبله ويحميه، في سياق ابتكارات تكنولوجية مستمرة؟ إن أحد العناصر الذي يعمل كمنظم فعّال هو القانون، والذي يضع قواعد التصرفات المباحة على ضوء الخير العام. إن الحدود التي يجب أن يفرضها مجتمعٌ سليم، وناضج وذو سيادة، هي التي تتعلق: بالاستباق والوقاية، ووضع القواعد التنظيمية المناسبة، والسهر على تطبيق القوانين، والتصدي للفساد، والسيطرة الفعّالة حالة ظهور تأثيرات غير المرغوب فيها لعمليات الإنتاج، والتدخل المناسب أمام مخاطر محتملة أو مؤكدة. هناك تزايد في الأَحْكامِ القضائية التي تهدف إلى تقليل تأثيرات المشاريع التجارية المسببة التلوث. لكنَّ الهيكليات السياسية والمؤسسية ليست موجودة فقط لتجنب الأعمال الإجرامية، وإنما أيضًا لتشجيع الخبرات الإيجابية، ولتحفيز الإبداع الذي يبحث عن طرق جديدة، ولتسهيل المبادرات الشخصية والجماعية.

178.إن مأساة سياسة ترتكز على النتائج الفورية، والمدعومة أيضًا من قِبَل شعوب مستهلكة، تجعل من الضروري انتاج نمو على المدى القريب. والحكومات، استجابة لمصالح انتخابية، لا تعرضُّ نفسّها بسهولة لخطر إزعاج الشعب باتخاذ تدابير جريئة يمكنها الحد من مستوى الاستهلاك أو المجازفة باستثمارات خارجية. إن قِصر نظر منطق السلطة يبطئ عملية إدماج البرنامج البيئي الواسع الأفق في جدول أعمال الحكومات العام. فننسى هكذا أن “الزمن أسمى من المساحة”[130]، وأننا سنكون أكثر خصوبة حين نهتم بإنتاج مشاريع، أكثر من اهتمامنا بالهيمنة على مساحات السلطة. إن العظمة السياسية تظهر حين يتم، ولا سيما في الأوقات الصعبة، العمل بالمبادئ العظيمة والتفكير بالخير العام على المدى البعيد. لكنَّ السلطة السياسية تجد صعوبة بالغة في تبني هذا الواجب داخل مشروع وطني.

179.في بعض الأماكن، يتم تطوير تعاونيات تعمل على استثمار الطاقات المتجددة، التي تسمح بالاكتفاء الذاتي المحلي، بل وحتى ببيع ما يفيض من الإنتاج. يشير هذا المثل البسيط إلى أنه -في حين يبدو النظام العالمي القائم غير قادر على تحمل المسؤولية- يمكن للطلب المحلي أن يحدث فرقًا حقيقيًّا. في الحقيقة، هنا يمكن أن يولد قدر أكبر من الشعور بالمسؤولية، وحسٌّ جماعيٌّ قويٌّ، وقدرة خاصة على الالتزام، وإبداعٌ سخيٌّ، وحبٌ عميقٌ للأرض، وهنا يتم أيضًا التفكير بما سوف يُترك للأبناء وللأحفاد. إن لهذه القيّم جذورًا متأصلة لدى السكان الأصليين. لأن القانون، والذي قد يبدو في بعض الأحيان غير كاف بسبب الفساد، يتطلب قرارًا سياسيًّا يصاحبه ضغط شعبي. فعلى المجتمع، عبر المنظمات غير الحكومية والجمعيات الوسيطة، أن يُرغم الحكومات على تطوير قوانين وإجراءات وضوابط أكثر حزمًا. فإن لم يراقب المواطنون السلطةَ السياسية –الوطنية، الإقليمية والبلدية– فإن مراقبة الأضرار التي تلحق بالبيئة غير ممكنة كذلك. من جهة أخرى، يمكن لقوانين البلديات أن تكون أكثر فعالية لدى قيام اتفاقيات بين شعوب مجاورة، لدعم سياسة بيئية موحدة.

180.لا يمكن التفكير في وصفات موحدة، لأن لكل بلد أو منطقة مشاكلها وحدودها الخاصة. صحيح أيضًا أن البراغماتية السياسية قد تفرض إجراءات وتكنولوجيات انتقالية، شريطة أن يرافقها خطة لقبول التعهدات التدرجية والملزمة. لكن، في الوقت نفسه، على المستوى الوطني والمحلي هناك دائما الكثير للقيام به، مثل تعزيز توفير الطاقة. وهذا يتطلب تعزيز أشكال من الإنتاج الصناعي تستخدم الطاقة بفعالية قصوى وبأدنى كمية من المواد الأولية، ورفع المنتجات قليلة الفعالية، من جهة الطاقة، أو الكثيرة التلويث، من الأسواق. كما يمكننا الإشارة لتحسين وسائل النقل أو استخدام تقنيات بناء وترميم المباني التي تخفض من استخدام الطاقة ومن مستوى التلوث الذي تنتجه. من جهة أخرى، يمكن لنشاط السياسة المحلية الاتجاه نحو تغيير الاستهلاك، وتنمية تدابير خاصة بالنفايات وإعادة التدوير، وإلى حماية الأصناف المهددة، وإلى وضع برنامج لزراعة متنوعة تشمل تناوب المحاصيل. من الممكن أيضًا تشجيع الإصلاح الزراعي في المناطق الفقيرة، بواسطة استثمارات في البِنيةِ التحتية الريفية، وتنظيم السوق المحلية أو الوطنية، في نظم الري، وفي تطوير تقنيات زراعية مستدامة. يمكن تسهيل أشكال من التعاون أو النُظم الجماعية التي تدافع عن مصالح صغار المنتجين، وتحمي النظم الإيكولوجية المحلية من الخراب. في الواقع هناك الكثير من الأمور التي يمكن القيام بها!

181.لا بديل عن الاستمرارية، لأنه لا يمكن استبدال السياسات المتعلقة بالتغيرات المناخيّة وبحماية البيئة في كل مرة تتبدل فيها حكومة ما. فالنتائج تتطلب وقتًا طويلا وتفترض تكاليف فورية قد لا تظهر نتائجها في فترة ولاية حكومة واحدة. لهذا، دون ضغط الشعب والمؤسسات، سيقابل أي تدخل بمقاومة، وبالأخص عند ظهور أمور ملّحة تحتاج لمواجهة. إن تحمّل رجل سياسة لهذه المسؤوليات بكل ما تعنيه من تكاليف، لا يتماشى مع منطق النجاعة و”الفورية” للاقتصاد وللسياسة الحاليين، ولكن إن امتلك شجاعة القيام بهذا، فإنه سيتمكن مجددًا من التعرف على الكرامة التي أعطاها اللهُ إياه كشخص، وسيترك، بعد مروره في هذا الزمن، شهادة مسؤولية سخية. من الضروري إعطاء مساحة أكبر لسياسة صحيحة، قادرة على إصلاح المؤسسات وتنسيقها، وتزويدها بممارسات صالحة، تسمح بتخطي الضغوطات والخمول الفاسد. كذلك يجب التأكيد على أن أفضل الآليات، في نهاية الأمر، يفشل عندما لا تكون هناك أهداف عظيمة، وقيم نبيلة، ومفهوم إنساني غني بالمعنى وقادر على أن يعطي لكلّ مجتمع توجهًا نبيلا وسخيًّا.

 

III. حوار وشفافية في اتخاذ القرارات

182.إن توقع التأثيرات البيئية الناتجة عن المبادرات التجارية وعن برامج العمل يتطلب عمليات سياسية شفافة، وخاضعة للحوار، في حين أن الفساد الذي يُخفِي التأثير البيئي الحقيقي لمشروع ما، مقابل الحصول على منافع خاصة، يحمل على إبرام اتفاقيات مُبهمة تتهرب من واجب توفير المعلومات ومن النقاش المتعمق.

183.لا ينبغي لدراسة التأثيرات البيئية أن تكون لاحقة لوضع مشروع إنتاجي أو لأي سياسة أو خطة أو برنامج. بل يجب إدراجها منذ البداية وإعدادها بطريقة تعتمد على التخصّصات المتعددة، وشفافة ومستقلّة عن أي ضغط اقتصادي أو سياسي. يجب ربطها أيضًا بدراسة ظروف العمل وبالتأثيرات المحتملة على صحة الأشخاص الجسدية والعقليّة، وعلى الاقتصاد المحلّي، وعلى الأمن. يمكن هكذا توقع النتائج الاقتصادية بطريقة أكثر واقعية، آخذين بعين الاعتبار السيناريوهات الممكنة ومستبقين ضرورة استثمار أكبر إذا لزم الأمر، من أجل إصلاح التأثيرات غير المرغوب فيها إن أمكن. إنه من الضروري دائمًا التوصل إلى توافق في الآراء بين مختلف الجهات الفاعلة الاجتماعية، والتي باستطاعتها طرح وجهات نظر مختلفة وحلول وبدائل. لكن على طاولة النقاش يجب إعطاء مكان مميّز للسكّان المحليين الذين يتساءلون عما يتمنّونه لأنفسهم ولأولادهم، وبمقدورهم تقييم الأهداف التي تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة. إننا بحاجة أيضًا إلى التخلي عن فكرة “التدخلات” في البيئة، لإفساح المجال لسياسات مدروسة ومناقشة من قِبَلِ جميع الأطراف المعنية. إن المشاركة تتطلب توفير معلومات كافية للجميع حول مختلف الجوانب والمخاطر والاحتمالات المختلفة، وعدم الاقتصار على القرار المبدئي للمشروع، كما تتعلق بأعمال المتابعة والرقابة المستمرة. هناك حاجة إلى إخلاص وصدق في المناقشات العلمية والسياسية، دون الاقتصار فقط على اعتبار ما هو جائز قانونيًّا أو ما هو غير جائز.

184.حين تظهر مخاطر محتملة على البيئة تمس الخير العام الحاضر والمستقبلي، يتطلب هذا الوضع “أن تستند القرارات إلى المقارنة بين المخاطر والفوائد المتوقعة لمختلف الخيارات البديلة والممكنة”[131]. وهذا يصح بشكل خاص إذا تسبب مشروع في زيادة استغلال الموارد الطبيعية، أو الانبعاثات والنفايات، أو الهدر أو تغيير كبير في المناظر الطبيعية أو في البِيئَة الطَبِيعِيَّة للأصناف المحميِّة أو في مكان عام. إن بعض المشاريع التي لا تعتمد على دراسة كافية قد تلحق ضررًا بالغًا بنوعية الحياة في مكان ما، بسبب عوامل مختلفة جدًا فيما بينها، على سبيل المثال، كالتلوث السمعي غير المتوقّع، أو الحد من مجال الرؤية، أو فقدان القيِّم الثقافية، أو تأثيرات استخدام الطاقة النووية. إن الثقافة الاستهلاكية، التي تعطي الأولوية للمدى القصير للمنفعة الخاصة، يمكن أن تشجِّع على اتخاذ إجراءات سريعة للغاية أو السماح بإخفاء معلومات.

185.في كل مناقشة تتعلق بمشروع تجاري من الضروري طرح لائحة من الأسئلة، للوصول إلى تميِّيز ما إذا كان سيحقق أو لا تنمية حقيقية متكاملة: من أجل أي هدف؟ بأي باعث؟ أين؟ متى؟ بأية طريقة؟ لمن يتوجه؟ ما هي الأخطار؟ ما هي التكاليف؟ من يدفع هذه التكاليف وكيف؟ في هذا التحليل توجد مسائل يجب إعطاؤها الأولوية. على سبيل المثال، نعرف أن المياه تُشكِّل موردًا نادرًا وضروريًّا، فضلًا عن أن الوصول إليها حقٌ أساسيٌّ يؤثّر على ممارسة حقوق الإنسان الأخرى. إنها حقيقة لا يرقى إليها الشك وتفوق أي دراسة أخرى حول التأثيرات البيئية في منطقة ما.

186.في البيان الصادر عن مؤتمر ريو في 1992، أُعتمِدَ أنه “في حالة وجود أخطار ذات أضرار جسيمة أو لا رجعة فيها، فإنه لا ينبغي التذرع بعدم الوصول لليقين العلمي الكامل للتأخر في اتخاذ تدابير فعالة”[132] التي من شأنها منع التدهور البيئي. يسمح هذا المبدأ الوقائي بحماية من هم أكثر ضعفًا والذين لا يتمتّعون سوى بالقليل من وسائل الدفاع عن أنفسهم وتقديم أدلة دامغة. إذا أشارت المعلومات الموضوعية إلى إمكانية حدوث ضرر خطير لا رجعة فيه -حتى في حالة غياب دلائل غير قابلة للنقاش- يجب إيقاف المشروع، أيًّا كان أو تعديله. فعبء توفير الدلائل ينقلب بهذه الطريقة، لأنه، في هذه الحالات، يجب توفير عرض موضوعي ومقنع بأن المشروع المُقترح لن يتسبب في أضرار خطيرة على البيئة أو على قاطنيها.

187.إن هذا لا يعني معارضة أي ابتكار تكنولوجي يسمح بتحسين نوعية حياة شعب ما. لكن، في كل الأحوال، يجب أن يكون الأمر قاطعًا بأن المردود لا يمكن أن يكون المعيار الأوحد المأخوذ بعين الاعتبار وأنه، حين تظهر عناصر جديدة تساعد في التمييز، انطلاقًا من تطور المعلومات، ينبغي أن يكون هناك تقييمٌ جديدٌ يشارك فيه جميع الأطراف المعنية. قد تكون نتيجة المناقشة الإقرار بعدم متابعة المشروع، كما يمكنها أن تُدخل عليه تغييراتٍ أو تقديم مقترحات بديلة.

188.هناك مناقشات، حول مسائل تتعلق بالبيئة، يصعب فيها التوصل إلى توافق. أكرر مرة أخرى أن الكنيسة لا تدعي تحديد المسائل العلمية، ولا أخذ محل السياسة، ولكني أدعو إلى نقاش صادق وشفاف، كي لا تُلحِقَ الحاجاتُ الخاصة أو الأيديولوجياتُ الضررَ بالخيرِ العام.

 

IV. السياسة والاقتصاد في حوار من أجل الملء الإنساني

189.يجب على السياسة ألا تخضع للاقتصاد، ويجب على الاقتصاد ألا ينصاع لإملاءات ونماذج الكفاءة الإنتاجية التكنوقراطية. إننا بحاجة ماسة اليوم، ونحن نفكر بالخير العام، إلى أن تضع السياسة والاقتصاد نفسيهما، من خلال الحوار، وبطريقة حاسمة في خدمة الحياة، وبالأخص الحياة البشرية. إن إنقاذَ المصارف بأي ثمن كان، على حساب الشعب، في غياب قرار حازم بإعادة النظر في النظام بأكمله أو بإعادة تشكيله، هو أمرٌ يثبت الهيّمنة المطلقة لماليةٍ لا مستقبل لها، تُنتج فقط أزمات جديدة، بعد تماثل ظاهري لشفاء طويل ومكلف. لقد شكلت الأزمة المالية لعامي 2007-2008 فرصة لتنمية اقتصادٍ جديد وأكثر انتباهًا للمبادئ الأخلاقية، ولوضع تقنين جديد للمضاربات المالية وللثراء الوهميّ. لكن ردة الفعل على الأزمة لم تدفعنا، للأسف، إلى إعادة النظر في المعايير البالية والتي لا تزال تحكم العالم. إن الانتاج ليس دائمًا عقلانيًّا، وهو مرتبط عادة بمتغيرات اقتصادية تحددُ قيمة للمنتوجات لا تتناسب مع قيمتها الحقيقية. هذا ما يؤدي غالبًا إلى إفراط في إنتاج بعض البضائع ذات تأثيرات بيئية غير مفيدة، والتي في الوقت عينه تضر للغاية بالكثير من الاقتصادات الإقليمية[133]. إن الفقاعة المالية تكون أيضًا، وبشكل عام، فقاعة إنتاجية. ففي النهاية، إن ما لا يتم مواجهته بحزم هو المشكلة الاقتصادية الحقيقية، التي تسمح بتنويع وبتحسين الإنتاج، وبأن تعمل الشركات المالية بشكل ملائم، وبأن تتطوَّر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتخلق وظائف عمل، وهكذا دواليك.

190.في هذا السياق، يجب التذكّر دائمًا أنه “لا يمكن ضمان حماية البيئة فقط على أساس الحسابات المالية للتكاليف والفوائد. فالبيئة هي إحدى الخيرات التي لا تستطيع آليات السوق الدفاع عنها أو تعزيزها بشكل كاف”[134]. مرّة جديدة، من المناسب تَجَنُّب مفهوم سحري للسوق، يحمل إلى الاعتقاد بأن زيادة أرباح الشركات أو الأفراد تكفي لحل المشاكل. فهل من الواقعي أن ننتظر أبدا مِن مَنْ يتملكه هاجس الربح الأقصى التريث للتفكير بالتأثيرات البيئية التي سيتركها للأجيال الآتية؟ داخل مخطط الربح لا يوجد مكان للتفكير في إيقاعات الطبيعة، وأوقات تردّيها وتجدّدها، ولا في تعقيد النظم الإيكولوجية التي يمكن أن تتغير بشكل خطير نتيجة للتدخل البشري. فضلًا عن ذلك، عند التحدث عن التنوّع البيولوجي، فالحد الأقصى [لما يُمكن توقعه] هو اعتباره بأفضل الأحوال كمخزن لموارد اقتصادية يُمكن استغلاله، ولكن لا يتم النظر جديًّا في قيمة الأشياء، وفي معناها بالنسبة للأشخاص والثقافات، ولا في مصالح وحاجات الفقراء.

191.عند التعرض لهذه المواضيع، يتهم البعض الآخرين بالقيام بمحاولة غير منطقية لتعطيل مسيرة التقدم والتنمية البشرية. لكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن تبطيء سرعة نمط معين للإنتاج وللاستهلاك قد يُفسح المجال لنمط آخر من التقدم والتطور. فالجهود من أجل استخدام مستدام للموارد الطبيعية ليست بنفقات غير ضرورية، بل هي استثمار سيعطي فوائد اقتصادية أخرى على المدى المتوسط. إذا نظرنا إلى الأمر بشكل أوسع، يمكننا اكتشاف أن تنوع انتاج أكثر إبداعًا، وأقل تأثيرًا على البيئة، قد يكون أكثر مردودًا. إن الأمر يتعلق بفتح الطريق نحو فُرصٍ مُختلفةٍ، لا تستوجب الحد من الإبداع البشري ومن حلمه بالتقدم، وإنما توجيه هذه الطاقة بأسلوب جديد.

192.على سبيل المثال، إن مسيرة تنمية إنتاجية أكثر إبداعًا، وموجهة بشكل أفضل، قد تتمكن من إصلاح التفاوت بين الاستثمار التكنولوجي الهائل في الاستهلاك، والاستثمار الهزيل في حل المشاكل الملحّة التي تواجه الأسرة البشرية؛ كما يمكنه توليد أشكال ذكيِّة ومفيدة من إعادة التأهيل والتدوير؛ ويمكنه تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المُدن، وهكذا دواليك. التنوع الانتاجي، في الوقت الذي يقوم فيه بحماية البيئة وخلق المزيد من الوظائف، يقدّم إمكانيات شاسعة جدا للذكاء البشري للإبداع والتجديد. وسيكون إبداعًا قادرًا على جعل ما هو نبيل في الكائن البشري يزهر مجددًا، لأنه أكثر كرامة استخدام الذكاء، بإقدام ومسؤولية، لإيجاد أشكال من التطور المستدام والعادل، داخل مفهوم أوسع لنوعيِّة الحياة. والعكس صحيح، فإنه أقل كرامة وأبداعًا، وأكثر سطحية، الاصرار على خلق أشكال نهبٍ للطبيعة، فقط من أجل توفير إمكانيات جديدة للاستهلاك والربح الفوري.

193.على أية حال، إن كانت بعض أشكال التطور المستدام سيجلب أنماطًا جديدة للنمو، ففي حالات أخرى، وأمام النمو الجشع وغير المسؤول الذي حدث خلال العقود السابقة، يجب التفكير كذلك في إبطاء سرعة الإيقاع قليلا، ووضع بعض الحدود المعقولة أو حتى التراجع أيضًا قبل فوات الأوان. نعلم أنه لا يمكن مؤازرة تصرف الذين يستهلكون ويدمرون دائمًا أكثر، بينما آخرون لا يستطيعون العيش وفقًا لما يليق بكرامتهم الإنسانية. لهذا فقد حان الوقت لقبول تخفيض معين للنمو في بعض المناطق من العالم، لتوفير موارد حتى تَتَمَكَّن مناطق أخرى من النمو بشكل سليم. كان بندكتس السادس عشر يقول إنه “من الضروري أن تكون المجتمعات المتقدمة تكنولوجيًّا مستعدة لتحفيز تصرفات تتسم بالاعتدال، عبر تخفيض استهلاكها الخاص للطاقة وتحسين أنماط استخدامها”[135].

194.كي تبرز نماذج جديدة من التقدم نحن بحاجة إلى “تبديل نموذج النمو العالمي”[136]، وهو ما يعني التفكير بمسؤولية “حول معنى الاقتصاد وغاياته، لتصحيح ما يشوبه من اختلالات وتشوهات”[137]. لا يكفي التوفيق، كحل وسط، بين الاعتناء بالطبيعة والربح المالي، أو بين الحفاظ على البيئة والتطور. فالحل الوسط في هذا الصدد لن يكون سوى مجرد تأجيل بسيط للكارثة. إن الأمر، وبكل بساطة، يتعلق بمسألة إعادة تعريف التقدم. فكل تطور تكنولوجي واقتصادي لا يترك علمًا أفضل ونوعية حياة أرقى بشموليتها، لا يمكن اعتباره تقدمًا. من جهة أخرى، إن نوعية حياة الأشخاص الواقعية غالبًا ما تتقهقر –بسبب تدهور البيئة، أو انخفاض جودة المنتوجات الغذائية أو استنفاذ بعض الموارد– في إطار نمو اقتصادي. فيتحول عادة، في هذا الإطار، الحديث عن النمو المستدام إلى تهرب ووسيلة لتقديم التبريرات التي تحتجز قيم الخطاب الإيكولوجي داخل المنطق المالي والتكنولوجي، وغالبًا ما تقتصر المسؤولية الاجتماعية والبيئية للشركات على سلسلة من العمليات التسويقية، وتجميل الصورة.

195.إن مبدأ الربح الأقصى، والذي يميل إلى النأي بنفسه عن أيّ اعتبار آخر، هو تشويه لمفهوم الاقتصاد: حيث لا يهم كثيرًا إن كان ارتفاع الإنتاج يتم على حساب الموارد المستقبليّة أو صحة البيئة؛ وإن ساهم استئصال غابة في زيادة الإنتاج، فلا أحد يقيس الخسارة التي يولّدها تصحّر الأراضي، أو تدمير التنوّع البيولوجي أو زيادة التلوّث. هذا يعني أن الشّركات تحصد أرباحًا، بعد إجراء الحسابات ودافع قسم زهيد من التكاليف. إن تصرفًا ما يمكن اعتباره أخلاقيًّا فقط إذا تم “التعريفِ بالتكاليفِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ الناشئةِ عن استخدامِ الموارِدِ البيئيةِ المُشتركَة، بشفافيةٍ، وضمانِ أن يكونَ مصدرُها بالكاملِ أولئكَ الذين يستفيدونَ منها، وليس غيرَهم من الشعوبِ أو من أجيالِ المستقبل”[138]. إن العقلية النفعية، التي تقوم بتحليلٍ ثابت للواقع وفقًا للاحتياجات الحالية، هي ماثلة سواء عندما يكون السوق هو المسؤول عن تعيين الموارد، أو كانت الدولة المُخططة هي التي تقوم بهذا.

196.ماذا عن السياسة؟ لنتذكر مبدأ الاحتياط، الذي يمنح حرية لتطوير القدرات الموجودة على جميع المستويات، ولكنه في الوقت عينه يستوجب مسؤولية أكبر تجاه الخير العام من قِبَلِ أصحاب السلطة. صحيح أن بعض القطاعات الاقتصادية الآن تمارس سلطةً أكبرَ من تلك التي تمارسها الدول نفسها. لكن لا يمكن تبرير اقتصاد من دون سياسة، اقتصاد ربما غير قادر على التوصل لمنطق أخر قادر على إدارة مختلف جوانب الأزمة الحالية. إن المنطق الذي يترك مجالا للاهتمام الجدّي بالبيئة هو نفسه الذي لا مكان به للاهتمام بمن هم أكثر هشاشة، لأن “في النمط الحالي من ادعاء “نجاحٍ” و”حقٍّ خاص”، لا يبدو أن هناك معنى لتكريس الذات فيتمكَّنَ من شقّ طريقٍ في الحياة أولئك الذين هم في المؤخرة، الضعفاء والمحرومون”[139].

197.إننا بحاجة إلى سياسة تفكر برؤية واسعة، تتبني مقارنة متكاملة، تشمل مختلف جوانب الأزمة في حوار متعدد التخصصات. بيد أن غالبًا ما تكون السياسة نفسًها مسؤولة عن فقدان الثقة بها، بسبب الفساد وغياب سياسات عامة صالحة. فإن لم تلعب الدولة دورها في منطقة ما، ستتمكن بعض الجماعات الاقتصادية من الظهور في ثوب المحسنين وتمسك بزمام السلطة الحقيقية، مستثنية نفسّها من قوانين معينة، وبما فيها فسح المجال لنشأة أشكال مختلفة من الجماعات الإجرامية المنظمة، والإتجار بالأشخاص، وتهريب المخدرات، والعنف، وأشكال يصعب استئصالها. إن كانت السياسة غير قادرة على كسر منطق فاسق، وتبقى بالإضافة إلى ذلك حبيسة في خطابات منْهكة، فإننا سنستمر في التهرب من مواجهة مشاكل البشرية الكبيرة. إن استراتيجية تغيير حقيقي تتطلب إعادة التفكير في مجمل الإجراءات، لأنه لا يكفي إدخال بعض الاعتبارات الإيكولوجية السطحية بينما لا نعيد النظر في المنطق القائمة عليه الثقافة الحالية. فينبغي على سياسة سليمة أن تكون قادرة على استيعاب هذا التحدي.

198.تميل كل من السياسة والاقتصاد لتبادل الاتهامات فيما يتعلق بالفقر وبتدهور البيئة. في حين أن ما يُنتظر منهما هو الاعتراف بأخطائهما الخاصة وإيجاد أشكال تفاعل تصب في صالح الخير العام. فبينما يشعر البعض بالإحباط لمجرد أنهم لم يحققوا مكاسب مالية، وآخرون تسيطر عليهم هواجس التمسك بالسلطة أو زيادتها، فإن ما يبقى لنا هو الحروب أو الاتفاقيات الغامضة حيث أقل ما يهم الطرفين هو المحافظة على البيئة وحماية الأكثر ضعفًا. هنا أيضًا يجوز مبدأ “الوحدة أسمى من النزاع”[140].

 

V. الأديان في حوار مع العلوم

199.لا يمكن القول بأن العلوم التجريبية تفسّر بشكل كامل الحياة، والجوهر الباطني لكل المخلوقات والواقع في مجمله. فهذا يتخطى من دون شك حدودها المنهجية. فإذا تم التفكير داخل هذا التصوّر الضيق، فلا مكان للحاسة الجمالية، والشِعر أو حتى لقدرة العقل على إدراك معنى الأشياء وغايتها[141]. وهنا أود أن أُذكِّر أن “النصوص الدينية الكلاسيكية يمكنها أن تقدم تفسيرا لجميع العصور، وأن لها قوة تعليل تفتح دائمًا آفاقًا جديدة […] فهل يُعقل ويُفهم أن تحال إلى الظلمة بمجرد أنها تصدر عن إطار اعتقاد ديني؟”[142]. في الواقع، سيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن المبادئ الأخلاقية تطرح نفسها بصورة مجردّة تمامًا، ومنفصلة عن أي سياق، فكونها تُقدَّم بلغة دينية، فذلك لا يُجردها من أية قيمة في النقاش العام. إن بإمكان المبادئ الأخلاقية التي يستطيع العقل إدراكها أن تظهر باستمرار تحت صيغٍ أخرى، ويُعبّر عنها بلغات مختلفة، بما في ذلك الدينية.

200.من جهة أخرى، أي حل تقني تدعي العلوم اكتشافه، سيكون عاجزًا عن حل مشاكل العالم الخطيرة إذا فقدت البشرية مسارها، وإذا نسيّنا الدوافع الكبيرة التي تجعل العيش معًا والتضحية والصلاح أمورًا ممكنة. على كل حال، يجب توجيه نداء للمؤمنين ليكونوا مُنسجمين مع إيمانهم وألا يناقضوه بأعمالهم، كما يجب مطالبتهم بالانفتاح مجددًا على نعمة الله وأن ينهلوا من أعماق اقتناعاتهم الشخصية حول المحبة، والعدالة والسلام. فإن كان فهمٌ ملتبسٌ لمبادئنا الخاصة قد حملنا، في بعض الأحيان، على تبرير سوء معاملة الطبيعة أو هيمنة الكائن البشري الاستبدادية على الخليقة، أو الحروب، والظلم والعنف، فنحن كمؤمنين يمكننا الاعتراف بأننا بهذه الطريقة لم نكن أمناء لكنز الحكمة الذي كان يجب علينا أن نحافظ عليه. ففي عصور مختلفة، غالبًا ما أثرت القيود الثقافية المختلفة على إدراك هذه الكنوز الأخلاقية والروحية الخاصة، لكن العودة إلى ينابيعها الخاصة تحديدًا هو ما سيسمح للأديان بالرد على الاحتياجات الحالية بشكل أفضل.

201.إن أغلبية سكان الأرض يعلنون أنهم مؤمنون، وهذا ينبغي أن يدفع الأديان للدخول في حوار فيما بينها يهدف إلى العناية بالطبيعة، والدفاع عن الفقراء، وبناء شبكة من الاحترام والأخوة. من الضروري أيضًا إقامة حوار بين العلوم نفسّها، نظرًا إلى أن كل علم قد اعتاد أن ينغلق في حدود لغته الخاصة، لدرجة أن التخصص يميل إلى أن يتحوّل لعزلة ولاعتبار معرفته الخاصة معرفة مطلقة. إن هذا يحول دون مواجهة مناسبة للمشاكل البيئية. ينبغي أيضًا إقامة حوار منفتح وموقر بين مختلف الحركات الإيكولوجية، التي لا تغيب بينها الصراعات الإيديولوجية. إن خطورة الأزمة الإيكولوجية تقتضي منا جميعًا التفكير في الخير العام والتقدم على درب حوار يحتاج لصبر، وزهد وسخاء، متذكرين دائما أن “الواقع هو أسمى من الفكرة”[143].

 

الفصل السادس

تربية وروحانية إيكولوجية

 

 202.على الكثير من الأمور أن تعيد توجيه مسارها، ولكن، قبل كل شيء، البشرية هي التي بحاجة للتغيير. هناك نقص في الوعي بالأصل المشترك، وبالانتماء المتبادل، وبمستقبل يتشارك به الجميع. هذا الوعي الأساسي هو الذي سيسمح بتطوير قناعات جديدة ومواقف جديدة وأنماط حياة. وهكذا ينبري تحدٍّ كبيرٍ ثقافي، وروحي، وتربوي، يقتضي مراحل طويلة من التجدّد.

 

I. السعي إلى نمط آخر من الحياة

203.انطلاقًا من أن السوق يميل إلى خلق آلية استهلاكية قهرية بهدف بيع منتوجاته، فإن الأمر ينتهي بإغراق الأشخاص في دوامة الشراء والنفقات عديمة الجدوى. إن هوس الاستهلاك هو انعكاس للنموذج التقني-الاقتصادي. فيحدث ما قد أشار إليه رومانو غوارديني: الكائن البشري “يقبل الأشياءَ المألوفة وأشكالَ الحياة الاعتيادية كما تُفرض عليه من قبل أنظمة فكرية ومن الآليات المُقنَّنة، وهو يقوم بهذا، في العموم، مع الانطباع بأن كل هذا منطقي وصالح”[144]. إن هذا النموذج يجعل الجميع يعتقدون بأنهم أحرار، طالما أنهم يحتفظون بحرية مزعومة في الاستهلاك، في حين أن الذين يملكون الحرية هم تلك الأقلية التي تمسك بزمام السلطة الاقتصادية والمالية. في غمرة هذا اللبس، لم تجد بشرية ما بعد الحداثة فهمًا جديدًا لذاتها يساعدها في تحديد توجيهها، وهي تعيش هذا النقص في الهوية بقلقٍ. فنحن نمتلك وسائل هائلة لأهداف محدودة وهزيلة.

204.إن الوضع الحالي للعالم “يتسبب في شعور بعدم الاستقرار وبانعدام الأمن، وهو ما يحفز بدوره أشكالًا من الأنانية الجماعية”[145]. فعندما يتحول الأشخاص إلى أصحاب مرجعية ذاتية، وينعزلون داخل إدراكهم الذاتي، فإن جشعهم يتزايد. في الواقع، كلما ازداد الفراغ في قلب الشخص، كلما ازداد احتياجه إلى شراء أشياء وامتلاكها واستهلاكها. في هذا السياق، يبدو من غير الممكن أن يقبل أحدٌ أن يضع الواقع له حدودًا. في هذا الأفق لا وجود كذلك للخير العام الحقيقي. إذا كان هذا هو النمط السائد في المجتمع، فلن تُتَّبعُ القوانين إلا في حالة عدم تعارضها مع حاجاته الخاصة. لذلك علينا ألا نفكر فقط في إمكانية حدوث ظواهر مناخية رهيبة أو كوارث طبيعية كبيرة، وإنما أيضًا في كوارث ناجمة عن أزمات اجتماعية، لأن الهوس بنمطِ حياةٍ استهلاكي -خاصة عندما يكون متاحًا فقط لعدد قليل من الأشخاص– يمكنه أن يؤجج العنف والتدمير المتبادل.

205.مع ذلك، لم نخسر بعد كل شيء، لأن البشر، القادرين على الانحطاط إلى أقصى الحدود، هم أيضًا قادرون على تخطّي ذواتهم والعودة من جديد لاختيار الخير، والتجدد، لدرجة تتخطى أي تكيّف عقلي واجتماعي يُفرض عليهم. هم قادرون على النظر إلى أنفسهم بصدق، وإلى إظهار اشمئزازهم وشق دروب جديدة تقودهم نحو الحرية الحقيقية. فلا وجود لنُظم باستطاعتها أن تُلغي نهائيًّا الانفتاح على الخير والحقيقة والجمال، ولا القدرة على التفاعل التي يستمر الله في تحفيزها في أعماق قلوبنا. أطلب من كل شخص في هذا العالم ألّا ينسى كرامته هذه والتي لا يحق لأحدٍ انتزاعُها منه.

206.قد يستطيع تغيير في أنماط الحياة أن يصل إلى ممارسة ضغط سليم على أصحاب السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن هذا ما يحدث حين تنجح حركات المستهلكين في التوقف عن شراء بعض السلع، فيصبحوا هكذا مؤثرين في تغيير تصرفات الشركات، وإجبارها على تقييم التأثيرات البيئية ونماذج الانتاج. إنه لأمرٌ واقعيٌ أن تضطر الشركات إلى اعتماد طُرق أخرى في الإنتاج عندما تؤثر عادات المجتمع على أرباحها. وهذا يذكّرنا بمسؤولية المستهلكين الاجتماعية. “عملية الشراءِ هي فِعلٌ أخلاقيٌّ عدا عن كونه أيضًا اقتصاديًّا”[146]. ولهذا “إن موضوع التدهور البيئي يضع في قفص الاتهام تصرفات كل واحد منا”[147].

207.لقد دعانا ميثاق الأرض إلى ترك مرحلة التدمير الذاتي هذه وراءنا والبدء في انطلاقة جديدة، إلا أننا لم نطوِّر بعد وعيًّا عالميًّا يجعل من هذا ممكنًا. لهذا أتَجَرّأُ باقتراح هذا التحدّي الثمين مجددًا: “إن مصيرنا المشترك، كما لم يحدث من قبل في التاريخ، يفرض علينا البحث عن انطلاقة جديدة […]. لنفعل ما بوسعنا كي يذكُر التاريخ عصرَنا هذا كعصرِ صحوةِ ولاءٍ جديدٍ للحياة، وقرارٍ حاسمٍ في الوصولِ إلى الاستدامة، وفي الجهادِ المتسارع من أجل العدالةِ والسلام، والاحتفالِ بالحياة”[148].

208.من الممكن دائمًا تنمية قدرة الخروج من الذات نحو الآخر. فمن دونها، لن ندرك القيمة الخاصّة لبقيّة الخلائق، ولن نكترث بالاعتناء بأي شيء من أجل الآخرين، وسنفقد القدرة على رسم حدود لذواتنا لمنع الالم أو تدهور ما يحيط بنا. إن السّلوك الرئيسي في تجاوز الذات، بكسر الوعي المعزول والمرجعيّة الذاتيّة، هو الأساس الذي يجعل من الممكن كل اهتمام بالآخرين وبالبيئة، وهو ما يولّد ردة الفعل الأخلاقيّة اللازمة لتقييم التأثير الناتج عن كل عمل، وعن كل قرار شخصيّ يخرج من الذات. فعندما نكون قادرين على تخطّي الإنفرادية، حينئذ يمكن واقعيًّا انتاج نمط حياة بديل، ويصير ممكنًا حينها تحقّيق تغيير مهم في المجتمع.

 

II. تربيةٌ على العهد بين البشرية والبيئة

209. يجب أن يُترجم الوعي بخطورة الأزمة الثقافية والإيكولوجية إلى عادات جديدة. يعرف كثيرون أن التقدم الحالي ومجرد تراكم الأشياء أو الملذات، لا تكفي لإعطاء معنى وفرح للقلب البشري، ولكنهم لا يشعرون بأنهم قادرون على التخلي عما يقدّمه لهم السوق. لدى الشبّان -في البلدان التي ينبغي أن يحدث فيها أكبر تغيرات في عادات الاستهلاك- يوجد وعي بيئي جديد وروح سخي، والبعض منهم يناضلون على نحو رائع من أجل الدفاع عن البيئة، غير أنهم نشأوا في إطارٍ من الاستهلاك المفرط ومن رغد العيش، وهو ما يجعل من الصعب نضوج عادات أخرى. لهذا فإننا نجد أنفسنا أمام تحدٍّ تربوي.

210.لقد شرعت التربية البيئية في توسيع حقل أهدافها. فإن كانت، في بداية الأمر، مركزة للغاية على المعلومات العلمية وعلى التوعية والوقاية من المخاطر البيئية، فهي الآن تميل إلى إدخال نقد “لأساطير” العصرنة التي ترتكز على عقل أداتي[xvi] (نزعة فردية، وتقدم غير محدود، وتنافس، ونزعة استهلاكية، وسوق بلا مبادئ)، وكذلك إلى استعادة مختلف مستويات التوازن الإيكولوجي: المستوى الداخلي مع الذات، والمستوى التضامني مع الآخرين، والمستوى الطبيعي مع جميع الخلائق، والمستوى الروحي مع الله. ينبغي على التربية البيئية أن تُعدَّنا للقيام بهذه القفزة نحو “السر”، والذي منه تَنهل الأخلاقيةُ الإيكولوجية معناها الأعمق. من ناحية أخرى، هناك مربّون قادرون على إعادة وضع المناهج التربوية المرتبطة بالأخلاقية الإيكولوجية، لتساعد بفعّالية على النموّ في التضامن وفي المسؤولية وفي الرعاية المبنِّية على التعاطف.

211.لكن هذه التربية، والمدعوّة لخلقِ “مُوَاطِنِيَّة إيكولوجيّة”، تقتَصِرُ أحيانًا على إعطاءِ المعلومات وتفشل في إنضاج عادات. فوجود قوانين وتشريعات هو غير كافٍ، على المدى البعيد، للحد من التصرفات السيئة، حتى في حال وجود رقابة فعّالة. فلكي يكون لهذه التشريعات القانونية تأثيراتٌ مُهِمّةٌ ومُستدامةٌ، مِن الضروري أن يقبلها غالبيةُ أعضاءِ المجتمع، انطلاقًا من وجود حوافز كافية، وأن يتفاعلوا معها وفقًا لتَغيّر شخصي. فقط انطلاقًا من تنمية قيّم راسخة يمكن لهِبَة الذات في التزامٍ إيكولوجي أن تُصبح ممكنة. فإذا اعتاد شخص ما، على الرغم من أن وضعه الاقتصادي يسمح له بالاستهلاك وبالإنفاق، أن يتغطى قليلًا عوضًا عن تشغيل نظام التدفئة، فهذا يعني أنه قد اكتسبَ حِسًّا وقَناعاتٍ تُساند الحفاظ على البيئة. فمن النبيل جدًا الالتزام بواجب الحفاظ على الخليقة من خلال القيام بأعمال يومية صغيرة، ومن الرائع أن تتوصل التربية إلى تحفيز هذه الأعمال حتى تحولها إلى نمط حياة. يمكن للتربية على المسؤولية البيئية أن تشجّع سلوكيات مختلفة، ذات تأثير مباشر وهام في مسألة العناية بالبيئة، مثل تجنّب استعمال المواد البلاستيكية أو الورقية، وتخفيض استهلاك المياه، وفرز النفايات، وطهي فقط الكمية اللازمة من الطعام، والتعامل باهتمام مع باقي الكائنات الحيّة، واستخدام وسائل النّقل العام أو المشاركة بين عدّة أشخاص في استخدام سيارة واحدة، وزراعة الأشجار، وإطفاء الأنوار غير اللازمة. إن هذا كله جزء من إبداعي سخي ونبيل، يُظهر أفضل ما في الكائن البشري. إن إعادة استعمال شيء ما، انطلاقًا من دوافع عميقة، بدل التخلّص منه بتسرع، يمكنه أن يكون عمل محبة يعبّر عن كرامتنا.

212.لا يجب الاعتقاد بأن هذه الجهود لن تغيِّرَ العالم. فأعمال كهذه تنشر في المجتمع خيرًا باستطاعته دائمًا أن يُعطي ثمارًا تفوق ما يمكن مشاهدته، لأنها تولد في أحشاء هذه الأرض خيرًا يميل دائمًا إلى الانتشار، أحيانًا بطريقة غير منظورة. علاوة على ذلك، فممارسة هذه السلوكيات تُعيد لنا الشعور بكرامتنا، وتقودنا نحو عمق كيانيّ أكبر، وتسمح لنا أن نختبر أن واقع مرورنا في هذه العالم هو أمر يستحقّ العناء.

213.متعددة هي بيئات التربية: المدرسة، والعائلة، ووسائل التواصل، والتعليم الديني، وبيئات أخرى. إن تربية مدرسيّة جيّدة، في سن الطفولة والمراهقة، تزرع بذورًا قد تعطي ثمارًا على مدى الحياة. بيد أني أريد التأكيد على الأهمية المركزية للأسرة، لأن الأسرة هي “مهد الحياة، هبة اللّه، وحضنها اللائق، وحصنها ضد الأخطار الكثيرة المحيطة بها، والمنبت الذي تستطيع أن تترعرع فيه طبقاً لمقتضيات نموٍّ بشريّ صحيح. فضدّ ما يسمى بثقافة الموت، تشكّل الأسرة قلب ثقافة الحياة”[149]. في الأسرة، تترعرع أولى عادات المحبة والاعتناء بالحياة، كما، على سبيل المثال، الاستعمال الصحيح للأشياء، والنظام والنظافة، واحترام النُظم الإيكولوجية المحلية، وحماية جميع المخلوقات. إن الأسرة هي مكان التربية الشاملة، حيث تتكشف مختلف جوانب النضوج الشخصي، والمتصلة اتصالا وثيقًا فيما بينها. في الأسرة، نتعلّم الاستئذان باحترام، وأن نقول “شكرًا” كتعبير عن تقييم صادق للأشياء التي نحصل عليها، وأن نكبح العدوان أو الجشع، وأن نعتذر عند القيام بشيء سيء. إن لفتات المجاملة الصادقة هذه، تساعد في بناء ثقافة الحياة المشتركة واحترام كل ما يحيط بنا.

214.يقع على عاتق السياسة والجمعيات المختلفة جهد تشكيل الضمائر. وهو أمر يقع على عاتق الكنيسة أيضًا. لدى الجماعات المسيحيّة كافة دور مهمّ لتقومَ بِهِ في هذا العمل التربوي. وأتمنى كذلك أن تقدم في معاهدنا اللاهوتيّة، وفي بيوت التنشئة الدينية، تنشئةٌ على التقشف المسؤول، وعلى التأمّل بالعالم بامتنان، وعلى حماية ضُعف الفقراء والبيئة. فنظرًا لأهمية المسألة، وكما هي الحاجة لوجود مؤسسات تتمتع بسلطة لمعاقبة التعديات على البيئة، فإننا بحاجة أيضًا إلى السيطرة على ذواتنا وإلى تعليم بعضنا البعض.

215.في هذا السياق، “لا ينبغي إهمال […] العلاقة القائمة بين التربية الجماليّة والمحافظة على بيئة سليمة”[150]. فالانتباه للجمال وتقديره يساعدنا على التحرر من النزعة البراغماتية النفعيّة. فعندما لا يتم تعليم التوقفَ للتأمّل بالجمال وتقديره، فليس من المُستغرب أن يتحوّل كلُّ شيء إلى غرضٍ للاستخدام والاستغلال من دون أدنى شعور بالذنب. في الوقت عينه، إذا أردنا تحقيق تغييرات عميقة، ينبغي أن نتذكّر أن النماذج الفكريّة تؤثّر فعلًا في التصرفات. فالتربية لن تكون كافية، وجهودها ستذهب سدى، إن لم نهتم أيضًا بنشر نموذج جديد حول الكائن البشري، والحياة، والمجتمع والعلاقة مع الطبيعة. وإلا، فالنموذج الاستهلاكي الذي تتناقله وسائل الاعلام وآليات السوق الفعّالة سيستمر في التفاقم.

 

III. التوبة الإيكولوجية

216.إن عظمة كنز الروحانية المسيحية، وليد عشرين قرن من الاختبارات الشخصية والجماعية، تشكل مساهمة رائعة في الجهود المبذولة لتجديد الإنسانية. أريد أن أقترح على المسيحيين بعض الخطوط لروحانية إيكولوجية تتأتى من قناعات إيماننا، لأن ما يعلمنا إياه الإنجيل له تأثير على طريقة تفكيرنا وشعورنا وعيشنا. لا يتعلق الأمر بالتكلم عن أفكار، وإنما وقبل كل شيء عن دوافع تنبع من الروحانية بهدف تغذية شغف الحفاظ على العالم. في الواقع، إنه من المستحيل أن نلتزم بأمور عظيمة مكتفين بالمبادئ، دون أية روحانية تلهمنا، دون “الحوافز الداخلية التي تدفع وتبرّر وتشجع وتضفي معنىً على العمل الشخصي والجماعي”[151]. علينا الاعتراف، نحن المسيحيّين، بأننا لم نَجْنِ دائمًا ولم نُنَمِّ الغنى الذي وهبه الله للكنيسة، حيث لا تنفصل الروحانية لا عن جسدِنا ولا عن الطبيعة أو عن واقع هذا العالم، وإنما تتعايش معها وفيها، بشركة مع كلّ ما يُحيطُ بِنا.

217.إن كانت “الصحاري الخارجية في عالمنا قد تكاثرت، لأن الصحاري الداخلية أصبحت شاسعة للغاية”[152]، فإن الأزمة الإيكولوجية هي نداء إلى توبة داخلية عميقة. ولكن ينبغي أن نعترف أيضًا بأن بعض المسيحيّين، الملتزمين والمواظبين على الصلاة، بحجّة الواقعيّة والبراغماتية قد اعتادوا الاستهزاء بأي اهتمام بمسألة البيئة. وهناك آخرون غير مبالين، ولا يتّخذون أي قرار بتغيير عاداتهم، فيفقدون توافقهم الشخصي. ينقصهم إذًا توبة إيكولوجية تقتضي أن يسمحوا لكلّ ثمار لقائهم بيسوع المسيح بأن تفيض على علاقاتهم مع العالم المحيط بهم. إن عيش دعوتنا كحراسٍ لعمل الله هو جزء أساسي من حياة فاضلة، وهذا الأمر ليس بإختياري ولا بثانوي في الخبرة المسيحية.

218.لنتذكّر مَثلَ القديس فرنسيس الأسّيزي، كي نقترح علاقة سليمة مع الخليقة كبُعدٍ من أبعادِ التوبة الكاملة للشخص. إن هذا يفترض الاعتراف بأخطائنا، وخطايانا، وعيوبنا وإهمالنا، والتوبة عنها من القلب، والتغيُّر من الداخل. قد عَرِف أساقفة أستراليا التعبير عن التوبة بشكل مصالحة مع الخليقة: “لتحقيق هذه المصالحة، ينبغي أن نفحص حياتنا وأن نعرف بأيّة طريقة، بأفعالنا وبعجزنا عن العمل، نُسيء إلى خليقة الله. إننا بحاجة إلى خبرة توبة، وخبرة تغيير للقلب”[153].

219.ولكن، التغيير على المستوى الفردي لا يكفي لحل وضع معقّد على قدر تعقيد الوضع الذي يواجهه عالم اليوم. قد يفقد الأفراد المنعزلون قدرتهم وحرّيتهم لتخطّي منطق العقلّية النفعيّة، ليجدوا أنفسهم في النهاية تحت رحمة استهلاكيةٍ خاليةٍ من الحس الأخلاقي ومن أي بُعد اجتماعي أو بيئي. فعلى المشاكل الاجتماعية ينبغي أن يأتي الرّدُّ عبر شبكات مجتمعية، وليس عبر مجرّد مجموع الخيرات الفردية: “إن متطلبات هذا العمل ستكون هائلة لدرجة أن إمكانيات المبادرات الفردية والتعاون بين الأفراد، والذين تربّوا بحسب النزعة الفردانية، لن يكون باستطاعتها الرد عليها. سيكون ضروريًّا توحيد الجهود وتوحيد المساهمات”[154]. إن التوبة الإيكولوجية المطلوبة من أجل خلق ديناميّة تغيير مستدام هي أيضًا توبة جماعية.

220.تستوجب هذه التوبة مواقف مختلفة تتشابك فيما بينها لتفعيل رعاية سخيّة ومملوءة عطفًا. فهي تتطلب، قبل كل شيء، العرفان والمجّانية، أيّ الاقرار بأن العالم هو هبة أعطيت من محبة الآب، مما يؤدي إلى اتخاذ مواقف تخلى مجاني والقيام بمبادرات سخية حتى ولو لم يرها أحد أو يعترف بها: “فلا تَعلَمْ شِمالُكَ ما تَفعَلُ يَمينُكَ، […] وأَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك” (متى 6، 3 – 4). تتطلب التوبة أيضًا الوعي المُحب بأننا لسنا منفصلين عن بقيّة الخلائق، بل نكوّن مع باقي الكائنات شركة كونيّة جميلة. فالتأمل بالعالم، بالنسبة للمؤمن، لا يتم من الخارج وإنما من الداخل، عبر الإقرار بالأواصر التي وحدّنا بها الآب مع كل الكائنات. فضلا عن ذلك، تحمل التوبة الإيكولوجية المؤمن، عبر تنمية قدراته الخاصة التي وهبها له الله، على إثراء إبداعه وحماسه لحل مآسي العالم، مقدمًا ذاته لله “ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً” (روم 12، 1). فهو لا يعتبر تفوقه كداعٍ لتمجيد نفسه أو لهيمنة غير مسؤولة، إنما كقدرة مختلفة تفرض عليه بدورها مسؤولية خطيرة تنبع من إيمانه.

221.ستساعد قناعات مختلفة لإيماننا، والتي تم تطويرها من بداية هذه الرسالة العامّة، على إعطاء معنىً أغنى لهذه التوبة، كإدراك بأنّ كل خليقة تعكس شيئًا من الله وتملك رسالة ما تنقلها لنا، أو كالتأكيد أيضًا أن المسيح قد أخذ في ذاته هذا العالم الماديّ وأنّه الآن، بعد قيامته من بين الأموات، يُقيمُ في أعماق كل كائن، ويغمره بمحبته ويملؤه بنوره. وكذلك الاقرار بأن الله قد خلق الكون واضعًا فيه نظامًا وديناميةً لا يحقّ للكائن البشري أن يتجاهلهما. عندما نقرأ في الإنجيل بأن يسوع يتكلم عن العصافير ويقول “ما مِنها واحِدٌ يَنساهُ الله” (لو 12، 6)، فهل بإمكاننا بعد معاملتها بالسّوء أو إلحاق الأذى بها؟ أدعو جميع المسيحيين إلى إظهار هذا البُعْد، بُعْدِ التّوبة الشخصيّة، والسّماح لقوّة ونور النّعمة التي حصلوا عليها، أن تمتدّا أيضًا إلى علاقتهم ببقيّة الخلائق وبالعالم الذي يحيط بهم، وأن تثمرا تلك الأخوّة السامية التي عاشها القديس فرنسيس الأسيزي مع كل الخليقة بطريقة منيرة للغاية.

 

IV. فرح وسلام

222.تقترح الروحانيّة المسيحيّة نمطًا بديلا لفهم نوعية الحياة، وتشجّع أسلوب حياة نبويّ وتأمّليّ، قادرًا على الفرح العميق دون الوقوع في هوس الاستهلاك. من المهمّ أن نسترجع تَعليمًا قديمًا، نجده في تقاليد دينيّة مختلفة، كما في الكتاب المقدّس أيضًا. إنه الاقتناع بأن “الأقل هو أكثر”. لأن، في الواقع، التراكم المستمرّ لاحتمالات الاستهلاك يُشتّت القلب ويحول دون تقدير كلّ شيء وكلّ لحظة. وعلى العكس، الحضور ببهجة أمام كلّ واقع، مهما كان صغيرًا، يفتح لنا مجالات أوسع من الفهم ومن تحقيق الذات. تقترح الروحانية المسيحية نموّا في الرزانة وقدرة على التمتّع بالقليل. فالعودة إلى البساطة هي التي ستسمح لنا بالتوقّف للاستمتاع بالأشياء الصغيرة، وللشكر من أجل الإمكانيات التي تقدّمها الحياة دون التعلّق بما نملك ولا الحزن بسبب ما لا نملك. إن هذا يفترض تجنّب ديناميّات التسلط وتراكم الملذات.

223.إن القناعة، المُعاشة بحرّية وبوعي، هي مُحرِّرِة. إنها ليست حياة أقلّ، وليست زخمًا أقلّ، بل هي عكس ذلك تمامًا. في الواقع، الذين يتمتعون أكثر ويحيون أفضل كل لحظة، هم أولئك الذين يتوقّفون عن الالتقاط هنا وهناك لاهثين دائمًا وراء ما لا يملكون، الذين يختبرون ماذا يعني تقدير كلّ شخص وكلّ شيء، ويتعلّمون الدخول في أُلفة مع الأمور البسيطة والتمتع بها. إنهم بهذه الطريقة ينجحون في تقليل الاحتياجات التي لم يتم تلبيتها، ويقللون الإحساس بالكلل والقلق. يمكن أن يحتاج المرء لقليل ويعيش كثيرا، لا سيِّما عندما يكون قادرًا على إعطاء مساحة أكبر لأسباب سرور أخرى وعلى اختبار الرضى في اللقاءات الأخوية، والخدمة، واستثمار المواهب الخاصة، في الموسيقى وفي الفن، وفي التواصل مع الطبيعة، وفي الصلاة. إن السعادة تكمن في معرفة وضع حدود لبعض الحاجات التي تُربكنا، والبقاء هكذا منفتحين على الامكانيات المتعددة التي تقّدمها الحياة.

224.إن القناعة والتواضع لم تتمتّعا بتقدير إيجابي في القرن الأخير. لكن عموميًّا عندما تضعف ممارسة فضيلة ما في الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة، ينتهي الأمر بالتسبّب باختلالات متعدّدة، ومنها بيئيّة. لهذا، فلا يكفي أن نتكلّم فقط عن نزاهة النُظم الإيكولوجية. ينبغي التحلي بجرأة التكلّم عن نزاهة الحياة البشريّة، وضرورة تشجيع وربط جميع القيِّم الكبيرة. إن غياب التواضع، لدى كائن بشري، تستهويه للغاية إمكانية السيطرة دون حدود على كل شيء، لا يمكنه إلا أن يُلحِق الأذى بالمجتمع وبالبيئة. ليس من السهل تنمية هذا التواضع السليم وهذه القناعة السعيدة، إذا سقطنا في تجربة الاكتفاء الذاتي، وأخرجنا الله من حياتنا ليأخذ الـ”أنا” مكانه، وإذا اعتقدنا أن ذاتيتنا هي التي تحدّد ما هو جيد أو ما هو سيء.

225.من جهةٍ أُخرى، ما من أحدٍ يمكنه إنضاج قناعة سعيدة، دون أن يكون في سلام مع ذاته. فجزءٌ من الفهم الصحيح للروحانية يقوم على توسيع مفهومنا للسلام، الذي هو أكثر بكثير من مجرد غياب الحرب. فالسلام الداخلي للأشخاص مرتبط كثيرًا بالمحافظة على الإيكولوجية والخير العام، لأنه، حين يُعاش بأصالةٍ، فإنه ينعكس في نمط حياة متوازن تلازمه القدرة على الاندهاش التي تؤدّي إلى عمق الحياة. إن الطبيعة مليئة بكلمات الحبّ، ولكن كيف يمكننا سماعها في وسط الضّجيج المستمرّ، والتشتيت الدائم والمضطرب، أو عبادة المظاهر؟ إن الكثير من الأشخاص يختبرون خللا عميقًا يدفعهم إلى إتمام الأشياء بعجلة كي يشعروا بالانشغال، انهم يعيشون في عجلة دائمة تحملهم بدورها إلى دحر كلّ ما يحيط بهم. وهذا له تأثير على الطّريقة التي نعامل بها البيئة. إن إيكولوجية متكاملة تعني تكريس بعض الوقت لاسترجاع التّناغم الهادئ مع الخليقة، للتفكير في نمط حياتنا ومُثُلنا العليا، وللتأمّل في الخالق، الذي يحيا بيننا وفي كلّ ما يحيط بنا، وحضوره هذا، “يجب ألا يُصنّع بل أن يُكتشف، وأن يُرفع الستارُ عنه”[155].

226.إننا نتكلّم عن سلوك القلب، الذي يحيا كلّ شيء في انتباه ملؤه الاطمئنان، ويعرف كيف يكون حاضرًا تمامًا للآخر دون التفكير بما سيأتي لاحقًا، والذي يستسلم لكلّ لحظة كهبة من الله ينبغي عيشها بالملء. وقد علّمنا يسوع هذا السلوك حين دعانا إلى النظر إلى زنابق الحقل وطيور السماء، أو عندما رأى رجلا في حالة بحث فـ”حَدَّقَ إِليهِ” و”أَحبَّه” (مر 10، 21). فيسوع كان يعرف أن يكون حاضرًا بالملء أمام كل كائن بشري وكل خليقة، وهكذا أرانا سبيلًا لتخطّي القلق المَرَضيّ الذي يجعلنا سطحيّين، وعدوانيّين واستهلاكيّين جامحين.

227.إن التعبير عن هذا السلوك هو التوقّف من أجل رفع الشكر لله قبل وبعد الطّعام. أقترح على المؤمنين استعادة هذه العادة الجميلة وعيشها بعمق. فَوقتُ البركةِ هذا، حتى ولو كان وجيزًا، يذكّرنا باعتمادنا على الله في الحياة، ويقوّي فينا شعور الامتنان من أجل كلّ هبات الخليقة، ويعبر أيضًا عن الامتنان تجاه مَنْ يوفرون هذه الخيرات بعملهم، ويدّعم التضامن مع مَنْ هم أكثر حاجة.

 

V. محبّة مَدنيّة وسياسيّة

228.تشكّل العناية بالطبيعة جزءًا من نمط حياة يتطلّب القدرة على العيش معًا والشركة. وقد ذكّرنا يسوع بأن الله هو أبونا المشترك وأن هذا يجعل منّا إخوة. لا يمكن للمحبّة الأخويّة إلا أن تكون مجّانية، لا يمكنها أبدًا أن تكون مكافأة لعملٍ قام به آخر أو سُلفَة لما نتمنّى أن يقوم به. لهذا فإن محبة الأعداء هي ممكنة. إن هذه المجانية ذاتها تقودنا إلى أن نحب ونقبل الرّيح والش