Index   Back Top Print

[ AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT ]

عظة قداسة

البابا فرنسيس

الزيارة الرسولية إلى كوبا‏

قداس في ساحة الثورة - لا هابانا

الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2015

[Multimedia]


 

يطرح يسوع على تلاميذه سؤالًا يبدو فضوليًّا: "فيمَ كُنتُم تَتَجادَلونَ في الطَّريق؟" (مر 9، 33)؛ سؤالًا يمكنه اليوم أيضًا طرحه علينا: "فيم تتكلمون يوميًّا؟"؛ "ما هي تطلعاتكم؟"؛ "فظَلُّوا صامِتين، - يؤكد الإنجيل- لأَنَّهم كانوا في الطَّريقِ يَتَجادَلونَ فيمَن هُو الأَكبَر" (مر 9، 34). خجل التلاميذ من أن يخبروا يسوع فيما كانوا يتجادلون. وكما بين التلاميذ بالأمس، يمكننا أن نجد بيننا نحن أيضًا اليوم، الجدل نفسه: "من هو الأكبر؟".

لا يصرّ يسوع على طلبه، ولا يجبرهم على إجابته عما كانوا يتحدثون في الطريق، ومع ذلك، فالطلب لا يبقى في الذهن وحسب، بل أيضًا في قلب التلاميذ. 

"من هو الأكبر؟". سوف يرافقنا هذا السؤال طيلة حياتنا وسيتوجّب علينا الإجابة عليه في مراحل وجودنا المختلفة. لا يمكننا الهروب من هذا السؤال، فهو منقوش في القلب. لقد سمعت، أكثر من مرة، في اجتماعات عائلية، سؤالًا يُطرح على الأبناء: "من تُحبّون أكثر، أباكم أم أمكم؟" وكأنهم يسألون: من هو الأكبر بالنسبة لكم؟ هل هذا السؤال هو فِعلًا مجرّد لعبة أطفال؟ إن طريقة الرّد على هذا السؤال قد تركت آثارًا في تاريخ البشرية. 

يسوع لا يخشى أسئلة البشر؛ لا يخشى البشرية، ولا من التساؤلات التي قد تطرحها. فهو على العكس، يعرف "خفايا" القلب البشري، وهو كالمعلم البارع مستعد دائما لمرافقتنا. وفيًّا لأسلوبِه الخاص، إنه يستوعب تساؤلاتنا وتطلعاتنا، ويعطيها أفقًا جديدًا. فيسوع، فيٌّ لأسلوبِه الخاص، ينجح في إيجاد جواب قادر على طرح تحدٍّ جديد، متخطيًّا "الإجابات المتوقعة" أو تلك التي كانت تعتبر مُعتمدة. إن يسوع، وفيٌّ لأسلوبِه الخاص، يُطبّق دائمًا منطق المحبّة. منطقٌ يستطيع الجميع عيشه، لأنه للجميع.

بعيد عن أي منطق انتقائي، إن أفق يسوع لا يقتصر على القليل من المختارين القادرين على الوصول إلى "المعرفة المبتغاة" أو إلى مستويات روحية مميّزة. أفق يسوع، هو دوما اقتراح للحياة اليومية، هنا أيضًا، في "جزيرتنا"؛ اقتراح يعطي للحياة اليومية، يومًا بعد يوم، القليل من مذاق الأبدية.

من هو الأكبر؟ إن يسوع بسيط للغاية في جوابه: "من أراد أن يكون الأول - أو الأهم - فليكن الآخِر وخادمًا للجميع" (مر 9، 35). من أراد أن يكون كبيرًا، عليه أن يخدم الآخرين، لا أن يستخدم الآخرين!

وهذه هي مفارقة يسوع. كان التلاميذ يتجادلون حول من يجب أن يأخذ المركز الأهم، حول من قد يكون المُميّز – وكانوا التلاميذ، الأقرب إلى يسوع، هم الذين يتجادلون في هذا! -، حول من قد يكون فوق القانون العام، فوق القاعدة العامة، كي يتعالى، مع الرغبة في التفوّق على الآخرين. كانوا يتحادثون حول الذي قد يرتفع سريعًا في حمل مسؤولياتٍ تعطيه بعض المزايا.

 ويسوع يزعجُ منطقهم قائلًا لهم ببساطة بأن الحياة الأصيلة تُعاش في الالتزام الملموس تجاه القريب، أي في خدمته.

إن الدعوة إلى الخدمة لها ميزة خاصة يجب إعارتها الانتباه. فالخدمة تعني أولًا الاعتناء بالهشاشة؛ تعني الاعتناء بمن هم ضعفاء في عائلاتنا، في مجتمعنا وفي شعبنا. يسوع يقترح أن ننظر إلى الوجوه المتألّمة والعزّل والمنكوبين، وأن نحبّها بطريقة ملموسة. محبةٌ تتجسد في أعمالٍ وقراراتٍ ملموسة. محبةٌ تظهر عبر المهام المختلفة التي يجب علينا القيام بها كمواطنين. إنهم أشخاص من لحم ودم، مع حياتهم، وقصتهم وبالأخص مع هشاشتهم، الذين يدعونا يسوعُ إلى الدفاع عنهم والاهتمام بهم وخدمتهم. لأنه، أن نكون مسيحيين، يعني أن نخدم كرامة الإخوة، وأن نناضل من أجل كرامة الأخوة وأن نعيش من أجل كرامة الأخوة. لذا فيُطلَبُ من المسيحي على الدوام أن يضعَ جانبًا مخاوفَه وتطلعاته ورغباته في السلطة إزاء نظرة الضعفاء الملموسة.

هناك "خدمة" تَخدُمُ الآخرين؛ ولكن علينا تجنّب النوع الآخر من الخدمة؛ تجنّب الدخول في تجربةِ "الخدمة" التي "تستخدم" الآخر. هناك شكل من أشكال ممارسة الخدمة يكون لمصلحة "ما هو لي"، باسم "ما هو لنا". خدمة كهذه تعمل على تهميش "ما هو لك"، مُولّدةً ديناميكيةَ استبعاد.

الدعوة المسيحية تتطلّب منا جميعًا أن نقوم بالخدمة التي تَخدُم، وأن نُعينَ بعضُنا البعض على عدم الدخول في تجربة "الخدمة التي تستخدم". إننا جميعنا مَدعوّون، ومُحَفّزون من قِبَلِ يسوع على تولّي مسؤولية بعضنا البعض، عن محبّة. وهذا من دون أن ننظر من حولنا كي نعرف ما يصنع القريب وما قد توقف عن صنعه. يقول لنا يسوع: "مَن أَرادَ أَن يَكونَ أَوَّلَ القَوم، فَلْيَكُنْ آخِرَهم جَميعاً وخادِمَهُم" (مر 9، 35 ب). وذاك يكون الأوّل. فهو لا يقول: "إن أراد قريبك أن يكون أَوَّلَ القَوم، فليخدم". علينا أن نتحاشى النظرةَ التي تحكم على الآخر وأن نشجع أنفسنا على الإيمان بالنظرة التي تُغيّر، والتي يدعونا إليها يسوع.

إن تولّي المسؤولية هذا، عن محبّة، لا يدلّ عن موقف خنوع، بل على العكس، إنه يضع مسألة الأخ في صلب الموضوع: فالخدمة تنظر دائمًا إلى وجه الأخ، وتلمس جسده، وتشعر بقربه لدرجة "التألم معه" في بعض الأحيان، وتعمل على الرفع من شأن الأخ. لذا، فالخدمة ليست أبدًا أيديولوجية، لأنها لا تخدم أفكارًا إنما أفرادًا.

إن شعب الله المؤمن الذي يعيش في كوبا هو شعب يحبّ الاحتفال والصداقة والأمور الجميلة. إنه شعب في مسيرة، يغنّي ويسبّح؛ شعبٌ له جراحه كسائر الشعوب، ولكنه يعرف أن يُبقِي يديه مفتوحتين، ويتابع مسيرته برجاء، لأن دعوته هي دعوة عظيمة. هكذا بذرها أسلافكم. إني أدعوكم اليوم إلى الاعتناء بهذه الدعوة، إلى رعاية هذه المواهب التي أعطاكم إياها الله، ولكني أودّ دعوتكم بشكل خاص، إلى الاعتناء بهشاشة إخوتكم وإلى خدمتها.

لا تهملوهم بسبب مشاريع قد تبدو مغرية، ولكنها لا تعير أي اهتمام لمن هو من حولها. فنحن نعلم، وإننا شهود على "قوّة القيامة التي لا تُضاهى" والتي "تولّد في كلّ مكان بذور هذا العالم الجديد" (را. فرح الإنجيل 276. 278).

دعونا لا ننسى بشارة اليوم: عظمة شعب، وعظمة وطن؛ إن عظمة شخص ترتكز دومًا على كيفية خدمته لهشاشة إخوته. وإننا نجد في هذا إحدى ثمار الإنسانيّة الحقّة. 

لأنه أيها الأخوة والأخوات الأعزّاء، "مَنْ لا يحيا للخدمة، لا فائدة من حياته". 

  

 

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2015

 

 


© Copyright - Libreria Editrice Vaticana